د. محمد فراج أبو النور *
يبدو أن المشهد السياسي الليبي لن يظل محكوماً بحالة «الانسداد»- التي طالت- فحسب؛ بل إنه على موعد دائم مع مزيد من الانقسامات المستمرة والمتفاقمة بين مختلف أطرافه، في صفوف كل طرف منها سواء في «الشرق» أو في «الغرب»، حينما تتزايد عوامل التوتر السياسي والأمني؛ حيث إنه لا تكاد تلوح بارقة أمل في أي اتجاه حتى تنطفئ سريعاً، ويعود المشهد خطوات إلى الوراء.
آخر أخبار ليبيا البارزة كان اعتقال جهاز الأمن الداخلي، التابع لحكومة الدبيبة لوزير المالية ووزير الاقتصاد السابق فرج بومطاري، الأمر الذي أثار غضباً واسعاً؛ حيث إنه شخصية معروفة جداً، وهو مرشح البرلمان والمشير حفتر وأوساط مختلفة ذات وزن ليكون محافظاً للمصرف المركزي الليبي، خلفاً للمحافظ الحالي، الصديق الكبير، الذي قضى في المنصب أكثر من عشرة أعوام، والصديق المقرب لعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية، كما أن بومطاري «ابن مدينة الكفرة جنوب شرقي البلاد، وينتمي إلى قبيلة «الزاوية» ذات التحالفات القبلية الواسعة.
سرعان ما جاء الرد من «الزاوية» وحلفائها القبليين، بإغلاق حقل «الشرارة» النفطي؛ أكبر حقول البلاد، وحقل الفيل يومياً، وحقل (108) القريب منهما، بما يعادل ثلث إنتاج البلاد من النفط (نحو مليون ومائتي ألف ب/ي)، وهددت القبائل بإغلاق مزيد من الحقول، إذا لم يتم الإفراج عن بومطاري، كما هددت بإغلاق فرع «النهر الصناعي العظيم» الذي يوصل إمدادات المياه إلى مدن غرب ليبيا.
وكان بدهياً أن يتم الإفراج عن بومطاري، خلال أيام قليلة، وأصدر جهاز الأمن الداخلي، بياناً قال فيه، إن اعتقال الوزير السابق كان بسبب اتهامه بارتكاب جرائم فساد ونهب المال العام أثناء توليه الوزارة.. غير أن اللافت للنظر هو أن الإفراج عن بومطاري تم بتدخل مباشر من النائب العام، الأمر الذي يلقي بظلال من الشك على مصداقية بيان جهاز الأمن الداخلي، ويرجح رواية ترشيح الرجل لمنصب محافظ المصرف المركزي، كسبب لاعتقاله.
وفي اليوم التالي مباشرة (13 يوليو/ تموز) قام جهاز الأمن داخلي، بمنع خمسة من أعضاء المجلس الأعلى للدولة من السفر من مطار معيتيقة، وصادر جوازات سفرهم، وقد أثار هذا الحادث غضباً شديداً بين أعضاء «المجلس الأعلى للدولة» وأنصاره.
انقسامات في الشرق والغرب
معروف أن التعديل الدستوري الثالث عشر، أناط بلجنة من 12 عضواً من مجلسي النواب والأعلى للدولة (6+6)، وضع قوانين تجري على أساسها الانتخابات الرئاسية والبرلمانية خلال ثمانية أشهر (240 يوماً) وقد اجتمعت اللجنة المذكورة في «بوزنيقة» بالمغرب في الفترة من 21 مايو/ أيار إلى 6 يونيو/ حزيران، وأعلنت بحق القوانين التي اتفقت عليها ب«الإجماع» وكان من المفترض أن تعرض هذه القوانين على البرلمان، لإقرارها.
وناقش الأعضاء الحاضرون في هذا الاجتماع مسألتين بالغتي الأهمية؛ هما اختيار رئيس وأعضاء المحكمة الدستورية، واختيار رئيس هيئة الرقابة الإدارية، من دون نصاب مكتمل. وهو ما اعترض عليه عدد كبير من الأعضاء، وتم تأجيل الاجتماعات حتى موعد آخر على أن تتم أولاً مناقشة دستورية الجلسة السابقة، ثم عقد مجلس النواب جلسة في 25 يوليو الجاري واعتمد خريطة الطريق من دون مناقشة تفصيلية ولا إقرار لقوانين الانتخابات التي تمثل نقطة انطلاق لتنفيذ الخريطة.
الحكومة.. المشكلة الكبرى
غير أن القضية الكبرى أمام خريطة الطريق وإجراء الانتخابات، تظل الحكومة المصغرة المطلوب تشكيلها للإشراف على تلك الانتخابات.. وكيف يمكن تشكيلها في ظل هذه الفوضى والمتاجرة بالوقت من جانب النخبة السياسية في الشرق والغرب على السواء؟ ثم كيف يمكنها استلام السلطة من حكومة الدبيبة لتقوم بإجراء الانتخابات؟ ومفهوم أن الدبيبة لن يسلم السلطة إلا إذا تم إجباره على تسليمها، وهو ما لا توجد قوة ليبية قادرة عليه، ويحتاج إلى اتفاق أمريكي- تركي على الأقل، لحمله على تسليم السلطة، علماً بأن الدبيبة يعلن باستمرار أنه لن يسلم السلطة إلا لحكومة منتخبة، ويريد هو أن يجري الانتخابات.
وحقيقة الأمر أن مجلس النواب ومجلس الدولة يواصلان لعبة المفاوضات حول خريطة الطريق وإجراء الانتخابات، بينما يواصل الدبيبة تكريس سلطة الأمر الواقع في طرابلس والمنطقة الغربية وتجميع الميليشيات وتمويلها، وتكديس السلاح، بما في ذلك الأسلحة النوعية كالطائرات المسيّرة، والتي استخدمها في ضرب عصابات التهريب في «الزاوية» ولكن بطريقة لم تتسم بأي حرص على حياة المدنيين، ما دعا المبعوث الأممي باتيلي إلى إدانة عدم الحرص على سلامة المدنيين.
وواضح من تصرفاته تجاه «مجلس الدولة» وأعضائه ورئيسه المشري، أنه لم يعد يبالي كثيراً بحلفائه السياسيين «الإخوان»؛ بل يعتمد بصورة أساسية على القوة المسلحة والميليشيات التي يمولها بمليارات المصرف المركزي.
كما يستمد الدعم السياسي من الولايات المتحدة والدول الغربية الكبرى، ويعقد الاتفاقات الاقتصادية والأمنية مع أنقرة، ومع عواصم أوروبية كبري مثل روما.
كما حدث حين زارت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني طرابلس في شهر يناير/ كانون الثاني الماضي، وتم الاتفاق على قيام شركة «إيني» بالتنقيب على الغاز باستثمارات مشتركة، تبلغ 8 مليارات دولار ثم قام الدبيبة مؤخراً بزيارة إلى روما عقد خلالها خمس اتفاقات في مجالات اقتصادية نفطية وتكنولوجية وأمنية مختلفة، الأمر الذي يعني انضمام إيطاليا إلى قائمة حلفاء الدبيبة و«سلطة الأمر الواقع» التي يمثلها، مستفيداً من سيطرته على موارد البلاد، وانقسام خصومة الداخليين، وبالطبع رغبة الدول الكبرى في السيطرة على ثروات ليبيا وتأمين تدفق نفطها وغازها الى أوروبا.
وما دامت الأمور تسير على هذا النحو، فإن بإمكان البرلمان ومجلس الدولة، وما يسمى ب«النخبة السياسية» مواصلة لعبة المفاوضات والانقسامات وخرائط الطريق حول انتخابات لا تأتي أبداً.. بينما يواصل الدبيبة تعزيز «سلطة الأمر الواقع» في الغرب الليبي في الوقت الراهن، وربما في بقية الأراضي الليبية حينما يشتد ساعده أكثر، بدعم مستمر من جانب الدول الغربية الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة.
* كاتب مصري