الشارقة: عثمان حسن
خمسون عاماً من التجريب الفني في سيرة الفنان المبدع حسين شريف، الذي يعتبر من مؤسسي الحركة التشكيلية في الإمارات، انخرط خلالها في ممارسة فنية فيها الكثير من الابتكار، وهو الذي قاده إلى تفسير الفن بقوله: «يصعب اليوم، تحديد ماهية الفن وحصره في مسمى واحد» وهو الذي ينسجم مع تجربته التي يرى الناقد محمود شاهين أنه لا يمكن تصنيفها في اتجاه محدد، لكثرة ما تحمل من شغف مفتوح على البحث والتجريب، والمغامرة الطامحة للتجديد والإضافة، هذه التجربة الخصبة كما تصنف بدأت من التجريد اللوني، مروراً بالواقعية التعبيرية، والإيقاع اللوني الموسيقي، ثم مرحلة ما بعد الحداثة التي تعتبر من المدارس الفنية الخصبة، وبدأها حسين شريف باستخدام تقنية الكولاج.
مع تجربة فنون «ما بعد الحداثة» الذي يعتبر شريف أحد روادها في الإمارات والمنطقة، يمكننا أن نفهم مسألة الـ «تجريب المفتوح على كل الاحتمالات» وربما هنا، يمكن فهم دلالات ما بدأ الفنانون في استخدامه من ألوان وأشياء وموضوعات تنطوي على صياغات دلالية أكثر مما هو متوقع، كما يمكن فهم خصوصية استخدام النصوص والصور و«الكولاج» والتبسيط والتخصيص، وفن الأداء، وإعادة تدوير الأنماط والأشياء في سياقات معاصرة، بغرض تفكيك الحواجز بين الفنون الجميلة وغيرها من الفنون كالفنون الشعبية.
* تجربة لافتة
بدأ حسين شريف الفن مبكراً -كما تؤكد سيرته الذاتية- متأثراً بشقيقه الأكبر حسن شريف، لكنه اجتهد لتثقيف نفسه بصرياً في تعامله مع الألوان الحارة القوية، وتقنية التلصيق «الكولاج» وفي مرحلة لاحقة، استلهم موضوعات من البيئة المحلية، وهنا، تاريخ جديد من نضج التجربة التي وصفت بأنها تجربة تأثيرية مفعمة بالشاعرية، ركز خلالها حسين شريف على استخدامات اللون وتدرجاته بخبرة ميزته عن غيره من الفنانين، قيل إن هذه التجربة الجديدة من التناغم اللوني قد مهدت لمفهوم خاص لجهة «التكوين الفني» عند شريف الذي أصبح يُعنى بوضع أو ترتيب العناصر المرئية في عمل فني ما، أو كما يطلق عليه النقاد: (تنظيم العناصر وفقاً لمبادئ الفن).. وهذه الفترة ترافقت مع دراسته لفنون الديكور المسرحي في الكويت.
وواصل شريف تجاربه الفنية حتى جاءت مرحلة اقتحامه الجريء والسريع لتقنية التلصيق «الكولاج»، والتركيب، والتجريب المفتوح على كل الاحتمالات، وصولاً لـ «الفن المفاهيمي» وقد وصفت تقنية التلصيق عند شريف بأنها حملت الكثير من البراعة والانسجام والتوليف المتقن، كما تعد من أبرز وأهم المحطات في تجربته الفنية.
* وجوه
التشكيلي والناقد علي العبدان يقول: «لطالما اعتبرت الفنان حسين شريف من أقوى الفنانين الإماراتيين، وأكثرهم جرأة وإبداعاً، وهو يعرف بإنتاجه الفني بأفكاره المتنوعة وممارساته المتعددة التخصصات، بشكل غير متوقع».. كما يعلق على أحد معارضه النحتية بعنوان «وجوه» في منتصف التسعينيات، وهو عبارة عن مجموعة من العلب الفارغة المستعملة التي قام بجمعها وثقبها، وتقطيعها وتشكيل بعضها باستخدام أدوات حادة بغرض جعلها بتكوينات جامدة وغامضة، يقول العبدان: «من يدقق في هذه الوجوه يشعر بأن هناك الكثير التي تود أن تنطق به، فكل تجويف أو قطع أو منحنى في الأشكال النحتية له دلالة، والمثير للاهتمام أن هذا العمل الفني تم عرضه مباشرة على أرضية المعرض. وقد يظن المشاهد أن خصوصية كل وجه من هذه الوجوه قد تضيع من حيث التعبير والدلالة وسط الصورة الشاملة للمجموعة المعروضة، أي أن القطعة الفردية ستفقد تأثيرها الخاص بالمقارنة مع الوجوه أو القطع الأخرى، ولكن إذا نظرنا إلى كل وجه على حدة، فسنجد أن له تأثيره الفريد، بصرف النظر عن تأثير المجموعة، وهذا يعني أن «وجوه» حسين شريف لها نوعان من التأثير في الوقت نفسه، تأثير جماعي، وتأثير فردي».
* صياغة الواقع
ينظم المجمع الثقافي بأبوظبي، في هذه الأيام معرضاً يستعيد السيرة الفنية لحسين شريف من خلال مجمل أعماله، وهي أعمال جمعت من مؤسسات وأماكن مختلفة، وتتنوع بين الرسم والأعمال التركيبية والكولاج والمنحوتات، ويقارب عددها 400 عمل، والمعرض شاهد على خبرة شريف في 50 عاماً، وهو يجسد مراحل مختلفة من الفن في سيرة شريف من خلال تجربته الثرية التي اتجهت إلى فنون ما بعد الحداثة، ويستمر المعرض حتى مطلع سبتمبر المقبل، ويضم 4 أقسام رئيسية، تضم أعمالاً لشريف بدأت من سبعينات القرن الماضي، ويحمل القسم الأول اسم «اللقاءات والتكرار» وهو يقدم وسائل مختلطة كبيرة الحجم، وهي أعمال صنعها شريف من مواد غير تقليدية كالحبال والعلب المعدنية والخرسانية والورقية وغيرها، وهناك قسم «المساحات المتماسكة» ويشتمل على أعمال ثنائية الأبعاد، تبدو للناظر من بعيد عكس ما تبدو عليه من قريب، أما الثالث فهو بعنوان «التقاطعات» ويضم لوحات لشريف متأثرة بالهندسة المعمارية والصناعة. بينما يضم الثالث «البنيوية والهزلية» رسومات تعتمد فكرة التكرار والبنيوية، إلى جانب أعمال من الكولاج تعكس حس الفكاهة عند حسين شريف، ويمثل الرابع قاعة أرشيفية تجسد استوديو الفنان وتضم مجموعة الرسومات والمنشورات.
يؤرخ المعرض لمشهد فني إماراتي بارز، أرخ لريادته حسين شريف كأحد أعضاء «مجموعة الخمسة» / تأسست في ثمانينات القرن الماضي، وأسهمت في إرساء مفهوم الفن المعاصر في الإمارات. وتضم المجموعة ( حسن وحسين شريف وعبدالله السعدي ومحمد كاظم ومحمد أحمد إبراهيم).
* إضاءة
ولد الفنان حسين شريف في دبي، وله العديد من المعارض في الإمارات، وفي روسيا وهولندا وفرنسا ومصر وألمانيا. تشتمل مجموعة أعمال شريف على الرسم والكولاج والتركيب، وينسب إليه الفضل باعتباره رائداً في الفن الإماراتي، هو أحد مؤسسي جمعية الإمارات للفنون التشكيلية في الشارقة مع شقيقه حسن شريف، ومجموعة من الفنانين، ولقد شجع دائماً التجريب في الفن، وقد كانت ولا تزال أعماله الفنية تثير الدهشة والتفكير عند كل من يشاهدها، وكغيره من الفنانين الإماراتيين، غالباً ما يتناول مسألة الهوية الإماراتية في معظم نتاجاته الإبداعية من التركيبات والتجهيزات ما بعد الحداثية.
.