إعداد: محمد كمال
رغم مرور 51 عاماً على حرب أكتوبر، وتمكن الجيش المصري من عبور قناة السويس وتدمير خط بارليف الإسرائيلي المنيع، مازال الكثير من تفاصيل هذا اليوم تتكشف على الجانبين المصري والإسرائيلي، إذ رفعت إسرائيل السرية عن أشرطة اجتماعات مجلس الوزراء الإسرائيلي، برئاسة جولدا مائير عقب أيام من «حرب يوم الغفران»، كما يطلق عليها الإعلام الإسرائيلي، والذي جرى خلاله مناقشة استعادة الأسرى وفرص السلام.
ويشير أحد التسجيلات إلى اجتماع مجلس الوزراء الإسرائيلي في 19 نوفمبر 1973 بحضور جولدا مائير ووزير الدفاع موشيه ديان ورئيس الأركان ديفيد إليعازر وجنرالات آخرون، وفقاً لما أوردته صحيفة هاآرتس.
وتكشف الوثائق الإسرائيلية أن الاجتماع كان يهدف إلى بحث الجهود المبذولة، لإعادة أسرى الحرب الإسرائيليين، والخوف من احتمال إشعال الحرب من جديد، والحديث عن السلام مع مصر، واللافت أن النتيجة التي أجمع عليها المجلس، أنه لا توجد فرصة حقيقية للسلام، وهو ما تأكد عدم صحته لاحقاً حينما عقد الرئيس المصري أنور السادات اتفاق كامب ديفيد للسلام مع إسرائيل عام 1979.
نبوءة لم تتحقق 
ومن بين ما جاء على لسان جولدا مائير خلال الاجتماع قولها: «أخشى أنني لن أتمكن من رؤية السلام الحقيقي»، لكن نبوءتها لم تتحقق، فبعد أربع سنوات قام السادات بزيارته التاريخية إلى إسرائيل، وهي التي مهدت الطريق، لتوقيع اتفاق السلام بين البلدين.
وتستطرد جولدا قائلة: «عندما يقولون السلام - هل هذا هو السلام الذي نعنيه؟ هل مسموح لي أن أشك في أنه سيكون وقفاً آخر لإطلاق النار، لأنني لا أعرف كم من الوقت، حتى يقرر أنه مستعد للذهاب إلى الحرب».
مائير وخلال الاجتماع ذاته انتقدت أولئك الذين طالبوها بالانسحاب من المناطق على أمل تعزيز السلام. «ما يغضبني، كل هذه السنوات من الجدال مع من قال: تحركوا، تحركوا، تحركوا، داخل البلاد أيضاً، وحينها سيكون هناك سلام، هؤلاء تجاهلوا الجانب الآخر».
حالة تعبئة دائمة 
ثم قالت جولدا مائير في نفس الموضوع إنه لا ينبغي أن يكون هناك أي بحث حول الانسحاب إلى خطوط 1967. ومضت بالقول «إن الحياة في إسرائيل تعني الحرب والتعبئة المستمرة. لو كان بوسعنا أن نقول إن هذه هي الحرب الأخيرة.. نحن بحاجة إلى أن نرى أنفسنا معبئين على المدى الطويل، لا أعرف إلى متى. لكن الأمر ليس مسألة أيام.. طالما هناك لا سلام، هناك حرب والحرب يمكن أن تظهر في أي لحظة.. من المستحيل أن تكون هناك حرب وحياة طبيعية في نفس الوقت.. الأمة بحاجة إلى أن تعرف».
وتعليقاً على الخسائر المدمرة في الحرب، قالت جولدا مائير: «بالنسبة لنا، بعد الحرب، كل ضحية ليست مجرد مسألة حزن للعائلة المقربة. هناك أمة حزينة. ولكن أمة مستعدة وتعرف ما هو قادم.. عليها أن تتصرف كأمة في حالة حرب وغير مستعدة للاستسلام».
ومن بين ما كشف عنه الجيش الإسرائيلي تسجيلاً لجولدا مائير، خلال اجتماع مجلس الوزراء في نوفمبر/تشرين الثاني 1973، والتي حذرت خلاله من «الخطأ الذي لا يغتفر». وبحسب التسجيل الذي كشفه أرشيف الجيش الإسرائيلي فقد قالت مائير بالحرف: «سوف يُغفر لنا أشياء كثيرة، جميعها باستثناء شيء واحد - هو الضعف. وفي اللحظة التي يتم فيها تصنيفنا على أننا ضعفاء - ينتهي الأمر. وهذه خطيئة لا تغتفر».
خطأ موشي ديان 
وتحدث وزير الدفاع موشيه ديان عن تحول في مفهوم الردع الإسرائيلي في أعقاب الحرب. وقال: «كنا نعتمد على أن لدينا قوة ردع.. وأخشى من التصور السائد بيننا أننا سنكون الطرف الرادع». وأعرب عن ندمه لأنه أساء الحكم قبل الحرب. 
وأضاف: «افتراضي أنهم لن يبدأوا حرباً شاملة.. أنهم إذا بدأوا حرباً، فسوف يخسرون. فماذا يفعلون؟ وقال هذه هي الطريقة الأكثر بساطة لوصف الأمر، هذه كانت أيديولوجية.. نحن نعتقد، هم يعتقدون، العالم كله يعتقد أنهم سيخسرون الحرب، فلماذا يبدأونها؟»
ولخص ديان ما يلي: «أنا خائف جداً من المفهوم هنا، وأننا سنكون خائفين جداً من مواجهة العرب وسندخل في حالة ذهان الردع العكسي».
وخلال الاجتماع، قدم اللواء شموئيل غونين، قائد القيادة الجنوبية للجيش الإسرائيلي آنذاك وجهة نظر متشائمة مماثلة، وقال «لا أعتقد - وآمل أن أكون مخطئاً - أننا في جيلنا سنصنع السلام معهم. مع كل الوعود، فإن هذا في رأيي كله نظام من الألاعيب والتظاهر.. إذا قمنا بخطوات التنازل وهو ما لا أعتقد أنه ضروري، سنقوم بتحركات تنازلية من أجل تخفيف الضغط علينا، ولو لبضع سنوات، وسنضحي بالمستقبل، وسنظهر الضعف الذي لا يمكن إصلاحه بعد ذلك».
كما قال رئيس المخابرات العسكرية للجيش الإسرائيلي، إيلي زعيرا، إنه لا توجد فرصة لتحقيق سلام حقيقي مع مصر. وقال «من المهم بالنسبة لنا ألا نعيش مع الأوهام بشأن هذا الأمر. لأن هناك الكثير من اليهود الذين يقولون إنه إذا كان من الممكن تحقيق سلام حقيقي مع مصر، فلنعد إلى الحدود الدولية». ومضى يقول إنه إذا أعادت إسرائيل الأراضي التي احتلتها إلى مصر في حرب الأيام الستة، فإن ذلك لن يحقق السلام بين البلدين.
وزعيرا هو الوحيد من بين الأشخاص الذين تحدثوا في هذا الاجتماع والذي لا يزال على قيد الحياة. وقد أوصت لجنة أغرانات الإسرائيلية التي حققت في إخفاقات حرب أكتوبر بإقالته من منصبه بسبب دوره فيها.
حقائق لجنة أغرانات 
وبعد أن أجرت اللجنة المشكلة في إسرائيل تحقيقات شاملة عن حرب أكتوبر، خلصت إلى عدة نتائج كان من أبرزها أنه حتى الساعات الأولى من صباح 6 أكتوبر 1973، لم تقم القيادة العليا للجيش الإسرائيلي والقيادة السياسية بتقييم أن الحرب الشاملة كانت على وشك أن تبدأ، وأنه عندما اتضح أن الحرب ستندلع افترضت أنها لن تندلع إلا في الساعة 18.00، بعكس ما حدث حيث بدأت في الساعة الثانية ظهراً.
وحملت اللجنة مسؤولية الإخفاق إلى مدير الاستخبارات العسكرية ومساعديه، موضحة أنهم فشلوا في ذلك، لأنهم لم يزودوا الجيش بالقدر الكافي من التحذير، حيث أبلغ حينها مدير المخابرات العسكرية الإسرائيلية باحتمال اندلاع الحرب في الساعة السادسة مساءً على الجبهتين، ولم تتم تعبئة الاحتياطيات بطريقة منظمة. وأضافت أن الخطأ المتمثل في أربع ساعات، بين الساعة السادسة مساءً والساعة الثانية ظهراً، هو ما تسبب في مزيد من الاضطرابات في استعداد القوات الإسرائيلية على الجبهات وانتشارها الصحيح.
وصدرت نتائج اللجنة في يناير 1975، في تقرير من 1500 صفحة تم اعتبار 1458 صفحة منها سرية، وأسفرت التحقيقات عن استقالة رئيسة الوزراء جولدا مائير، ووزير الدفاع موشيه ديان، ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي دافيد إليعازر.
ويقول زعيرا الذي شغل مدير المخابرات الحربية الإسرائيلية في حرب أكتوبر إن السبب الرئيسي في الهزيمة هو وصول معلومات تم نقلها إلى رئيسة الوزراء، وبدون تحليل من الموساد على أساس أنها موثوق بها، وكانت هذه المعلومات هي السبب الأساسي وراء التقديرات الخاطئة التي اتخذتها الحكومة الإسرائيلية. ويضيف:«تلك المعلومات المضللة هي من تخطيط المخابرات المصرية وأنها كانت جزءاً من خطة الخداع والتمويه التي تم تنفيذها استعداداً للحرب»، وذلك بحسب ما ذكر في مذكراته.
ووفقاً لما توصلت إليه اللجنة، فكان مدير الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي يؤكد أنه سيكون قادراً على إعطاء تحذير مسبق عن أي نية لشن مصر حرب شاملة في الوقت المناسب للسماح باستدعاء الاحتياطيات بشكل منظم، وأنهم فسروا انتشار القوات على طول الخطوط الأمامية في ساحة المعركة، بأنه كان انتشاراً دفاعياً في سوريا وإجراء تدريب متعدد الأسلحة في مصر، وأنها مناورات لا تعني الاستعداد للحرب.