الشارقة: عثمان حسن

ربما يكون في إحدى عبارات الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي: «كنت فتاة نحيلة بأسئلة كبيرة، وكانت النساء حولي ممتلئات بأجوبة فضفاضة» ما يستشرف مستقبل كاتبتنا ذات الحضور الطاغي في المشهد الروائي العربي وبخاصة النسوي، وليس من قبيل المصادفة أن تكون صاحبة «ذاكرة الجسد» و«فوضى الحواس» و«الأسود يليق بك» وغيرها من النتاجات الأدبية حديث الأوساط والمحافل الثقافية والعربية، وأن تكون حاضرة في جوائز وتكريمات العديد من المحافل والجهات الثقافية العربية والدولية، كاختيارها من قبل مجلتي «أرابيان بيزنس» و«فوربس» ضمن أكثر النساء العربيات تأثيراً في مجالات الأدب والثقافة، وأن تحل اليوم الشخصية الثقافية للدورة ال 43 من معرض الشارقة الدولي للكتاب.
شكلت مستغانمي ظاهرة أدبية عصرية بكل ما للكلمة من معنى، وهي ظاهرة خرجت عن مألوف الكتابة السردية العربية، لأنها اكتست ملمحاً خاصاً، فيه الكثير من ذاكرة وتجربة وطفولة الكاتبة، ففي كتابه «أحلام مستغانمي.. مرافئ إبداعية في الثقافة والأدب» يشير عبد اللطيف الأرناؤوط إلى أحلام مستغانمي بوصفها من أهم رواد أدب الواقعية، والكتاب يقرأ مسيرة أعمالها الروائية والإبداعية بما فيها فن المقالة، ويدرك القارئ من خلال هذا الكتاب أهمية النص الروائي باعتباره شاهداً على عصر بعينه ومرآة لواقع متحول آثر الكتاب كشفه من خلال واحدة من أهم رواد أدب الواقعية النقدية في الرواية المعاصرة وهي أحلام مستغانمي.
نقد
احتلت أعمال أحلام مستغانمي مساحة وافرة في النقد الأدبي العربي في سياقاته الأكاديمية المتنوعة ما بين النقد التقليدي، والنقد الاجتماعي، والنقد الجديد، ونقد استجابة القارئ، والنقد النسوي، والإعلامي وغيره، وقد استلهم الناقد المغربي عبد الخالق عمراوي، مادة كتابه «الذاكرة ملاذ السرد.. قراءة في ثلاثية أحلام مستغانمي» من روايات مستغانمي وعوالمها الموغلة في التداعي والتذكر واللغة الآسرة والأسلوب الدافق، واختار الناقد ثلاثية أحلام مستغانمي: «ذاكرة الجسد»، و«فوضى الحواس»، و«عابر سرير»، لإيمانه بأنها تكتسي أهمية بالغة، ولأنها وعاء يستوعب هموم الذات والإنسان والعالم، وهو وعاء يعبر عن صوت الفرد المتضامن مع صوت الجماعة، عاكساً قضاياها وأفكارها ومواقفها.

 


ذاكرة الجسد
رواية «ذاكرة الجسد» واحدة من الأعمال الأدبية التي وصفت بالعمل الكبير في سيرة أحلام مستغانمي الروائية، وهي الأكثر شهرة، وقد حققت الكاتبة من خلالها صيتاً ثقافياً وجماهيرياً هائلاً، وسبق ووصفها الشاعر نزار قباني بالعمل الإبداعي العظيم، ومما قاله: «بعد أن فرغت من قراءة الرواية، خرجتْ لي أحلام من تحت الماء الأزرق كسمكة دولفين جميلة، وشربت معي فنجان قهوة وجسدها يقطر ماء، روايتها دوّختني. وأنا نادراً ما أدوخ أمام رواية من الروايات وسبب الدوخة أن النص الذي قرأته يشبهني إلى درجة التطابق، فهو مجنون، ومتوتر، واقتحامي، ومتوحش، وإنساني وخارج على القانون مثلي». وأضاف: «لو أن أحداً طلب مني أن أوقع اسمي تحت هذه الرواية الاستثنائية المغتسلة بأمطار الشعر، لما ترددت لحظة واحدة».
ويقدم المغربي رابح بلحمدي نقداً سيميائياً وثقافياً لرواية ذاكرة الجسد، فيرى أن أحلام مستغانمي تهندس لهويتها الفردية والجماعية على ضوء ذكرياتها، وهي ذكريات مأساوية شكلت عالم السرد عند الكاتبة، والذاكرة هنا، مورد أساسي في تشكيل هوية الأديبة، ويقول: «تمثل أحلام مستغانمي نموذجاً للمرأة العربية المتشبعة بهويتها، فهي تعبر عن موقف صعب أمام نخبة كولونيالية، كوقفة والدها محمد الشريف مستغانمي أمام الاستعمار وأعداء الإبداع، ها هي المرأة الجزائرية تفرض وجودها النضالي في عالم الذكور بلا تعصب لأنوثة أو دعوة إلى الانسلاخ، كتبت فأبدعت، فكرت فأصابت أهدافها، خاطبت ببيان وأسمعت بإتقان».
فوضى الحواس
ويكتب الشاعر والناقد نازك ضمرة عن رواية فوضى الحواس: «إن أحلام مستغانمي في روايتها (فوضى الحواس) أرادت أن تقفز بالرواية العربية إلى الأمام والأعلى للحاق بمستوى أي روائي عالمي، فالتعقيدات والتراكيب والمداخل والمخارج والأجواء الروائية والخيالية والتشعبات والسرد التاريخي والسياسي التي نجدها في روايتها لهي معجزة في حد ذاتها، وكأنها تمهد طريقاً للأديبات والأدباء العرب، للتجرؤ على إطلاق العنان للخيال وللعقل..».
تبدأ قصة «فوضى الحواس» برواية عن رجل ذي فلسفة غريبة «فوضوية» يلتقي امرأة «ضعيفة نوعاً ما»، تستمر القصة بهذا المنحى عدة صفحات حتى تتدخل الكاتبة في النص. تكتشف الكاتبة فيما بعد تطابقاً عجيباً بين روايتها والواقع، حيث تجد أن صالة السينما التي أعدت اللقاء فيها بين الرجل والمرأة موجودة حقاً وأنها تعرض فيلماً في موعد اللقاء بين الاثنين ذاته. تجد الكاتبة نفسها مدفوعة بالفضول لحضور الفيلم وإذ بها تجد الشخص بطل الرواية.
شيفرة لغوية
في رواية «عابر سرير» تواصل أحلام مستغانمي الجمع بين عدد من الألوان الروائية، والرواية تجمع بين المستويات الواقعية والاجتماعية والسيرة الذاتية، وهي كسابقاتها من أعمالها تكشف فيها الكاتبة عن حال المبدع العربي، وهي تتمة للروايتين (ذاكرة الجسد وفوضى الحواس)، ولا تخلو الرواية من العاطفة والحب، واجتمع فيها خيال المبدعة الكاتبة في تشريح الواقع، وهي كذلك ترصد الأزمة التي مرت بها الجزائر منذ عام 1988.
وعنوان الرواية يؤدي دوراً مهماً في العمل، وجاء في الرواية موجزاً ومختصراً يغلفه الغموض، إلا أنه كان بحسب النقاد يمثل شيفرة لغوية اختيرت عن ذكاء لتفتح للقارئ فحوى الرواية، كما يدل على تمرد البطل، والسرير حمل أكثر من دلالة منها سرير الطفولة، والضياع الذي نعيشه في عواطفنا، والوفاء الذي غالباً ما يغلف بالخيانة، كما وقعت أحداث هذه الرواية في مدينة قسنطينة الجزائرية وحملت أسماء جسورها وشوارعها، وكلها أسماء توحي بواقعية الرواية، لكن البداية كانت من العاصمة الفرنسية، وبصورة عامة قسمت الأماكن فيها إلى أماكن مفتوحة (مثل الجسور والأحياء والشوارع) وأخرى مغلقة (مثل البيت، والسجن).
الأسود يليق بك
تدور قصة رواية «الأسود يليق بك»، حول هالة الوافي، وطلال هاشم، أما هالة فهي الفتاة الجزائرية بسيطة الحال التي عانت في حياتها الكثير من الويلات، خاصة بعد وفاة والدها الذي قتل على يدي مجموعة من الإرهابيين، وأيضاً من فاجعة أخيها الذي كان يدرس الطب في الجامعة، وداهمته قوات الأمن وألقت القبض عليه، وبعد خمس سنوات من حبسه يلتحق بالجماعة الإرهابية، وكانت نهايته القتل على أيديها، لذلك تلتزم هالة ارتداء الأسود دائماً.
أما طلال هاشم، فهو رجل أعمال من أصل لبناني أنيق وباذخ الثراء، يرى هالة أول مرة في برنامج تلفزيوني تظهر فيه بعنفوانها، وقدرتها على انتقاء الكلمات، وكذلك بفستانها الأسود، فيغرم بها ويحاول استمالتها، تعكس الرواية حياة الإنسان في متاهات الحب والصراع، وقد حازت الرواية على اهتمام كبير من عدد من النقاد والدارسين والقراء على حد سواء، لأنها طرحت قضية الصراع بين طبيعة الأنثى وطبيعة الرجل، وما يحمل هذا الصراع في ثناياه من مشاعر وتحديات ومنعطفات، وحبكة الرواية تشير إلى سلطة المال، واعتقاد طلال أنه يستطيع التحكم بأدق تفاصيل حياة هالة، التي ترفض عروضه مقابل استسلامها وخضوعها له، وحين يفشل في استمالتها يعتقد أن هالة قد أهانت كبرياءه وتنتهي الرواية بانتصارها للكرامة التي لا تشترى بالمال، وبعد انكشاف حقيقة طلال تعود هالة إلى فنها، وتصدح بصوتها الذي حاول طلال كتمه، وقد خلعت عنها الأسود.
نسيان
كتبت أحلام مستغانمي «نسيان» بلغة جميلة ومباشرة وواضحة، لتعبر عن حقائق موجودة وواقعية وحسية، لا تتخيل منها شيئاً، بل قد تتعدى أحياناً تفاصيل واقعها الفعلي حدود أي خيال رحب، ثم تصل إلى نتائج واستنتاجات وبيانات وأحكام ونصائح مهما اختلفت الآراء في تأثيرها ومفعولها وحكمتها، ومهما تنوعت ردود الفعل عليها، فإن مصدرها صادق وغني ونابع من تجربة. تأتي الكاتبة في «نسيان» على ذكر العديد من الشعراء والفلاسفة والكتّاب، وتستشهد بأقوالهم وأحاديثهم التي تقوّي عصب موضوعها وتغنيه: «لا يمكن حصر عدد الكتّاب الذين، عبر الأزمنة والحضارات وبكل اللغات، عملوا مرشدين عاطفيين للتائهين من العشاق في الأزقة والشوارع الجانبية للحبّ...».
جوائز وتكريمات
حصلت مستغانمي على العديد من الجوائز، بينها جائزة نجيب محفوظ للعام 1998 عن روايتها ذاكرة الجسد.
اختارت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم «اليونسكو» أحلام مستغانمي لتصبح فنانة اليونسكو من أجل السلام وحاملة رسالة المنظمة من أجل السلام لمدة عامين، باعتبارها إحدى الكاتبات العربيات الأكثر تأثيراً، ومؤلفاتها من بين الأعمال الأكثر رواجاً في العالم. وصرحت مديرة منظمة اليونسكو إيرينا بوكوفا، أن «مؤلفات الأديبة الجزائرية تعد من بين الأعمال الأكثر رواجاً في العالم، نظراً لتميزها بعملها لصالح حقوق المرأة والحوار بين الثقافات ومكافحة العنف».

ضوء

ولدت أحلام مستغانمي في 13 أبريل 1953 بتونس العاصمة وعاشت بها تسع سنوات، ثم انتقلت إلى الجزائر بعد الاستقلال سنة 1962، كان والدها محمد الشريف مشاركاً في الثورة الجزائرية. عرف السجون الفرنسية بسبب مشاركته في مظاهرات 8 مايو 1945. عملت أحلام في الإذاعة الوطنية، ما خلق لها شهرة كشاعرة إذ لاقى برنامجها «همسات» استحساناً كبيراً من طرف المستمعين، انتقلت إلى فرنسا في سبعينات القرن الماضي، حيث تزوجت، وفي الثمانينات نالت درجة الدكتوراه من جامعة السوربون. وهي تعيش حالياً في بيروت. 
اقتباسات من الكاتبة 
* ينتهي الحب عندما نبدأ بالضحك من الأشياء التي بكينا بسببها يوماً.
* نحن نأتي ونمضي، دون أن نعرف لماذا أحببنا هذا الشخص دون آخر؟ ولماذا نموت اليوم دون يوم آخر؟ لماذا الآن؟ لماذا هنا؟ لماذا نحن دون غيرنا؟ ولهذا فإن الحب والموت يغذيان
وحدهما كلّ الأدب العالمي. فخارج هذين الموضوعين، لا يوجد شيء يستحق الكتابة.
* لحظة حب تبرر عمراً كاملاً من الانتظار.
* ابتعدي عن رجل لا يملك شجاعة الاعتذار، حتى لا تفقدي يوماً احترام نفسك.
* أجمل حب هو الذي نعثر عليه أثناء بحثنا عن شيء آخر.
* قرأت يوماً أن راحة القلب في العمل، وأن السعادة هي أن تكون مشغولاً إلى حد لا تنتبه أنك تعيس.