الشارقة: محمد إسماعيل زاهر
اكتسب خطاب المفكر المغربي محمد عابد الجابري (1935-2010) وعلى مدار 3 عقود منذ إصدار الجزء الأول من مشروعه نقد العقل العربي المعنون بـ«تكوين العقل العربي» في عام 1982 وحتى عام 2001 تاريخ إصدار الجزء الرابع، «العقل الأخلاقي العربي» سلطة معرفية كبرى، سلطة تتأسس مبدئياً على إشارة الجابري نفسه أكثر من مرة إلى أنه يفتتح مجالاً بحثياً ليس له فيه سلف، إنه الحفر النقدي الإبستمولوجي للأنظمة المكونة للعقل العربي على المستوى المعرفي والسياسي والأخلاقي. هنا يعلن المفكر الجدة في ما يطرحه، حيث كان العمل على العقل أو الحفر فيه بمثابة الانطلاق من البداية، في بيئة ثقافية كانت مهجوسة وقتها بالعودة إلى التراث؛ لمعرفة أسباب الخلل الدائم في مسألة التقدم العربي.
حرّكت مقولات الجابري الخاصة بالعقل العربي، في الجزأين الأولين من مشروعه، وتوزعت على ثلاثة أنظمة معرفية: البيان والعرفان والبرهان، الراكد في الساحة الفكرية العربية، خلال حقبة التسعينيات من القرن الماضي، وكان التفاعل معها من المحيط إلى الخليج على قدم وساق، في مجلات وصحف ودوريات متخصصة، وأدت إلى نشأة حالة من النقد ونقد النقد، أي كانت أفكاراً محلقة مفتوحة تغري بالنقاش، وتحث على التأمل والتفكير، وتكرّر الأمر نفسه عندما اشتغل الجابري على العقل السياسي العربي، والعقل الأخلاقي العربي، وجدنا مفكراً من مصر، حسن حنفي، يحاوره مطولاً على صفحات مجلة اليوم السابع الباريسية تحت عنوان «حوار المشرق والمغرب»، ووجدنا مفكراً آخر من سوريا، جورج طرابيشي، يخصص 15 عاماً من عمره للرد على أفكاره وأطروحاته، وتناسل النقد إلى نقد ثالث مع المفكر السوري عبد الرزاق عيد، وردود من طارق البشري والعديد من قوى اليسار، كانت أطروحات الجابري تتجوّل فارضة نفسها في الساحة العربية، وفارضة معها صاحبها الذي تحول وللمرة الأولى في مجال التفكير النخبوي إلى «مفكر نجم».
مساجلات
لنستمع إلى جورج طرابيشي، في كتابه «نظرية العقل»، متحدثاً عن أهمية الجابري، ونجوميته، وتأثيره في الساحة الثقافية: «تعود الشهرة التي حازتها كتابات الجابري، في جزء منها، إلى توظيفه مفهوم «العقل» بما هو كذلك. وبالفعل، وعلى الرغم من المساجلات الواسعة النطاق التي أثارها في الساحة الثقافية العربية كتابه عن «الخطاب العربي المعاصر» الصادر عام 1982، ومن قبله كتابه «نحن والتراث» الصادر عام 1980، فقد كان لابد من انتظار صدور كتابه المعنون بـ«تكوين العقل العربي» ليتحول مؤلفه، ابتداء من عام 1984، إلى «نجم» ثقافي، ولتتم مبايعته أستاذاً للتفكير لا بالنسبة إلى الجيل الصاعد من المثقفين العرب فحسب، بل بالنسبة أيضاً إلى شريحة واسعة من الجيل المخضرم منهم».
في بداية قراءته لمشروع الجابري، يكتب طرابيشي في مجلة الوحدة المغربية في عام 1984: «إن الذهن بعد مطالعة تكوين العقل العربي لا يبقى كما كان قبلها، فنحن أمام أطروحة تغير، وليس مجرد أطروحة تثقف»، ولكن هذا الإعجاب والتقريظ ينتهي إلى مسحة من الغضب نستشعرها في حديث طرابيشي عندما اكتشف بعد قراءته للجزء الثاني من المشروع «بنية العقل العربي» بعض التحريف في المصادر التي اعتمد عليها الجابري ليدعم أطروحته، هنا يتحول الغضب الذي بدأ على استحياء من رفض الناقد اليساري لرؤية الناقد الإبستمولوجي إلى رغبة عارمة في تتبع سقطات الجابري على مستوى الرؤية والمصادر والشواهد التاريخية، ولذلك يخصص نحو 15 عاماً من حياته لنقد نقد العقل العربي (انظر جورج طرابيشي: العقل المستقيل في الإسلام).
لم يتوقف خطاب الجابري عند ناقد واحد، أو قراءة من وجهة نظر معرفية واحدة، بل ولد قراءات عدة أخرى، يقول المفكر عبد الرزاق عيد في كتابه «هدم الهدم»: «الدكتور الجابري منذ أطل على ساحتنا الفكرية في بداية الثمانينيات من القرن المنصرم، ونحن مندهشون إعجاباً بهذا المناخ الفكري الجميل الذي يشيعه في فضاء العقل العربي، حتى بتنا نعتقد أن مرحلة نهضوية من طراز نوعي جديد راحت تشق طريقها إلى الفضاء الثقافي والفكري العربي باعثة ومجددة لأرقى ما توصل له المشروع النهضوي الأول الذي ختمه طه حسين».
ولكن بعد انتشار أفكار الجابري وتداولها في الساحة الثقافية، وبعد تخصيص مشروع لنقدها «مشروع طرابيشي»، يتجه عيد إلى نقد المشروعين معاً.
سلطة
لنعود إلى خطاب الجابري نفسه لنسأل: من أين يكتسب سلطته؟ لا تكتسب أي فكرة قوتها إلا إذا كانت تتفاعل وبقوة مع احتياجات الراهن، والواقع أن المفردات التي اشتغل عليها الجابري جاءت لتتماسّ مع معظم هذه الاحتياجات. لقد كانت لحظة الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين منشطرة تفكر في ثنائيات تعيد تدويرها ولا تستطيع الخروج منها، تسعى إلى قولبتها في نظرية حاكمة، للتخلص من عبئها، من أجل الحسم المنتظر بين هذه الثنائيات، كانت في حاجة لمن يُنَظّر لهذه الثنائيات من داخل العقل، وتزامن ذلك مع المنظر الآخر لتلك الثنائيات من داخل التفكير في الفضاء الاجتماعي والثقافي العام، ونعني محمد جابر الأنصاري، كانت هناك ثنائيات ملحوظة وضاغطة على المستويين العقلي والعملي، وصاحبهما منظر الثنائيات في العلوم الإسلامية بأكملها، حسن حنفي، ولكن انفرد الجابري بين الثلاثة بجدّة موضوعه «العقل»، وبتماسّه المباشر مع قضايا الساحة، وبوضوح لغته ومباشرتها وسلاستها، بعكس التباس حالة حسن حنفي مثلاً.
أسئلة
طرح الجابري أسئلة ملغومة بخصوص العقل تتمثل في: (إشكالية التفكير بالعقل والتفكير في العقل، إشكالية التوزيع الثلاثي لأنظمة المعرفة إلى برهان وبيان وعرفان، إشكالية التكوين والتدوين، إشكالية عقلانية التراث المغربي ولاعقلانية التراث المشرقي، إشكالية الضدية الابستمولوجية بين العقل العربي والعقل «اليوناني-الأوروبي» (انظر جورج طرابيشي: نظرية العقل).
يكتسب خطاب الجابري قوته أيضاً من إزاحته لكل الأفكار العرفانية الباطنية التي تغيّب العقل.
يتميز خطاب الجابري كذلك بعدة سمات على مستوى المقروئية، فهو يمتلئ بالمعلومات التاريخية، الأمر الذي يُشعر القارئ بأن المؤلف يقوم بتثقيفه، هو في هذه النقطة يتقاطع مع أحمد أمين في موسوعته عن تاريخ العقل في الحضارة العربية الإسلامية، كما لاحظ عبد الرزاق عيد، فضلاً عن الأسئلة المتلاحقة التي يطرحها الجابري مباشرة أو بصورة ضمنية في كل صفحة. يمتاز الجابري، وإن كان يكتب مشروعه في التراث للنخبة، فإنه يمتدّ به ليناقشه بصفة عامة في كتبه الأخرى وهي عديدة لجمهور القراء، فما توصل إليه على ساحة التراث حاول تطبيقه في قراءاته للراهن. بعكس مشروعات تراثية عديدة كانت تقول شيئاً للنخبة وتقول ضده لجمهور المثقفين، وتقول شيئاً ثالثاً للقراء العاديين. وبعيداً عن حركية المثقف وتفاعله مع أدواره المنوطة به، لعل هذا التطابق بين قراءته للتراث وقراءته للراهن، هو ما أدى في النهاية إلى إنتاج خطاب الماهية الثابتة للعقل العربي قديماً وحديثاً، ولهذا اعتبر الجابري في كتاب «الخطاب العربي المعاصر» أن زمن الفكر العربي الحديث والمعاصر زمن ميت أو زمن قابل لأن يعامل كزمن ميت، واعتباره في الوقت نفسه في «تكوين العقل العربي» أن هذا العقل ميت أو هو بالميت أشبه.
لغة الجابري، لغة سهلة، تشعر أنها تقترب منك، يكتب الفكر بأسلوب السرد؛ حيث الأفكار مرتبة وتقود كل منها إلى الأخرى، بعيداً عن لغة فكرية صعبة، ويكتب بالعربية، وهذا ما جعله أبرز المفكرين المغاربة في الساحة العربية بأكملها، بخلاف آخرين كتبوا إما بالفرنسية أو بلغة شديدة النخبوية، وهناك بعض الجمل والعبارات التي لا تدفعك إلى السؤال أو التأمل أو تحثك على البحث، ولكنها تفعل ذلك كله وتطرب أذنيك أيضاً، وستشعر بقبس من موسيقى تغزو أذنيك وهو يعلن أن العقل العربي قدّم استقالته.
هذه بعض العوامل والسمات التي أكسبت خطاب الجابري بما طرحه من أفكار وقضايا سلطة هيمنت على الخطاب الفكري العربي في حقبتي ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، هذه السلطة تحولت إلى عقبة معرفية تجاه أي دارس للتراث، حيث إغلاق كل المدارات المفتوحة في التراث، يقول جورج طرابيشي في كتابه «نظرية العقل»: «فالجابري قد نجح-لنعترف له بذلك-في إغلاق العديد من أبواب التأويل والاجتهاد. وما لم يُعد فتح ما أغلقه، فإن الدراسات التراثية لن تحرز بعد الآن تقدماً، ولا كذلك عملية تفكير العقل العربي بنفسه انطلاقاً من تراثه ومن توسطه التاريخي ما بين العقلين اليوناني القديم والأوروبي الحديث».
الأخلاق والسياسة
هنا نضيف إلى طرابيشي نقطتين مهمتين لم يشتغل عليهما بوصف مشروعه لنقد النقد متوقفاً عند الجزأين الأولين من «نقد العقل العربي»: الأولى تتعلق بسلطة الجابري في مجال بحث المسألة السياسية الإسلامية ففي الجزء الثالث من المشروع «العقل السياسي العربي» استوعب الجابري الكتابات السابقة والمزامنة له في تلك المسألة وانتظمها في ثلاث بنى معرفية تتماسّ مع معظم التيارات الفكرية، وهي المدارات التي لم يخرج عنها أحد في تعاطيه مع المسألة السياسية نفسها بعد الجابري. الثانية تخص «العقل الأخلاقي العربي» بوصف الجابري الباحث «الأول» الأبرز في هذا الموضوع، الأول وفق تعبيره، والأبرز على ما نعتقد، فلا يمكن لرؤية تسيس الأخلاق على هذه الشاكلة إلا وتكون الأبرز، أي أن الجابري أغلق باب التأويل في هواجس الفكر العربي المعاصر في: العقل والسياسة والأخلاق.
وبالتالي فالجابري شكّل سلطة أو عقبة في حقول بحث الخطاب الفكري العربي الرئيسية، عقبة أوصلت هذه الحقول إلى لحظة الحسم، الحسم لصالح أصالة الذات وهو ما لم يقبل به مفكر سينطلق ليس من مشروعه الخاص، ولكن لفتح مدار التراثيات التي أغلقها الجابري، هو مشروع آخر ينطلق من وجهة نظر مغايرة، يقول صاحب هذا المشروع الثاني، جورج طرابيشي في كتابه «العقل المستقيل في الإسلام» مجيباً عن ملاحظة وصلته تتعلق بلماذا أمضى خمسة عشر عاماً في الاشتغال على مشروع الجابري، بدلاً من أن ينتج مشروعه الخاص: (هذا المأخذ صحيح وغير صحيح في آن. فهو صحيح ما دام كل «مشروعي»-لا أحب كثيراً هذه الكلمة المتنرجسة- قد انحصر بنقد النقد. ولكن هل فعلاً ما فعلت شيئاً سوى أن رددت على الجابري؟، لا أعتقد. فالواقع أن الجابري قدّم لي المناسبة، التكأة، نقطة الانطلاق، وليس محطة الوصول. فقد كفّ مشروعي عن أن يكون مشروعاً لنقد النقد ليتحول أيضاً إلى إعادة قراءة وإعادة حفر وإعادة تأسيس).
نشاط متعدد
برغم أن أطروحة الجابري حول «نقد العقل العربي» بأجزائها الأربعة، كانت أبرز ما أنتج، إلا أن هناك أطروحات وأعمالاً مهمة لافتة أخرى في مسيرته، هناك مثلاً أطروحته حول «العصبية والدولة: نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي»، وهو ما أكد عليه أيضاً في نقد العقل العربي، فهناك شغف واضح بابن خلدون وكيف حوّله إلى سلف بالإمكان استلهامه من أجل مشروع نهضوي عربي مستقبلي. وهو ما فعله أيضاً مع ابن رشد. وخصّص الجابري سنوات حياته الأخيرة لتفسير القرآن الكريم حسب ترتيب النزول، وهو كتاب وضعه في ثلاثة أجزاء لم يكتب له الذيوع والانتشار مثل كتاباته الأخرى.