إعداد: محمد كمال
ما بين صيحات السعادة للنازحين الفلسطينيين العائدين إلى ديارهم في شمال غزة، ودموع فرح ذوي الرهائن الإسرائيليين المفرج عنهم، واستعداد اللبنانيين للرجوع إلى ديارهم في قرى الجنوب، يمكن لجميع الأطراف الحفاظ على اتفاقي وقف القتال اللذين تما بوساطات دولية بعد محادثات عسيرة وتحت ضغوط أمريكية مكثفة.
ويرى مراقبون دوليون أن هجمات دامية وقعت خلال الساعات الماضية، سلطت الضوء على مدى هشاشة وقف القتال، واحتمال انهياره في أي لحظة، ومع ذلك فإنهم يؤكدون أن كل من إسرائيل وحماس وحزب الله لديهم أسباب ملحة لمنع التصعيد، لبضعة أسابيع، وربما الاستمرار في وقف الحرب حتى لو وقعت خراقات طفيفة.
ويؤكد المراقبون بحسب ما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز، أن وقف إطلاق النار في غزة ولبنان سيصمد على الأرجح في الوقت الحالي، على الرغم من اختباره إلى أقصى حد، لأن جميع الأطراف تريد تجنب القتال واسع النطاق راهناً. 
وفي جنوب لبنان، ظلت القوات الإسرائيلية في مواقعها بعد الموعد النهائي لانسحابها المفترض الأحد الماضي، وسط مزاعم إسرائيلية بأن حزب الله قد انتهك تعهده بمغادرة المنطقة. وفي غزة، أجلت حماس إطلاق سراح رهينة كانت إسرائيل تأمل إطلاق سراحها السبت، ما دفع إسرائيل إلى تأخير العودة المتفق عليها للفلسطينيين النازحين إلى منازلهم في شمال غزة، لكن سرعان ما تدخل الوسطاء لإتمام تحرير الرهينة، وبدء عودة النازحين إلى شمال غزة.

 


ـ أسباب للالتزام ـ
وحتى مع اتهام كل جانب للآخر بالتراجع عن اتفاقاته، فإن لدى إسرائيل وحماس وحزب الله أسباباً للبقاء مرنين والتغاضي مؤقتاً عن تجاوزات الطرف الآخر، فعلى الرغم من امتعاض حزب الله بسبب بقاء قوات إسرائيلية في جنوب لبنان، فإنه ربما لن يخاطر باستئناف الهجمات الصاروخية على المدن الإسرائيلية خشية ضربات انتقامية.
وبينما تريد حماس الاحتفاظ بوجودها في غزة، فإنها ستخاطر بذلك إذا عادت لاستئناف القتال. كما يتعين على إسرائيل أن تحافظ على الترتيبات الحالية في غزة، لاستكمال الإفراج عن رهائنها الباقين، فيما بدا أيضاً أن قادة إسرائيل حريصون على دعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي تضمنت حملته الانتخابية وعد تحقيق السلام، ووقف الحرب في الشرق الأوسط.
وفي توضيح لرغبتهما في إطالة أمد الهدنة في غزة، بدا أن إسرائيل وحماس قد تمكنتا سريعاً من حل أزمة إطلاق سراح الرهينة أربيل يهود قبل الموعد المحدد. وفي المقابل، سمحت إسرائيل للفلسطينيين النازحين بالعودة إلى شمال غزة. أما بالنسبة للبنان، فقد أعلن البيت الأبيض أنه سيتم تمديد الهدنة هناك حتى 18 فبراير/شباط، على الرغم من عدم وجود تعليق فوري من إسرائيل أو حزب الله، كما أكدت الحكومة اللبنانية التمديد.
ويقول آرون ديفيد ميلر، المفاوض الأمريكي السابق في محادثات السلام في الشرق الأوسط: «سوف يجتازون الأسابيع القليلة المقبلة، ولا يمكن لأحد أن يخمن ما هو أبعد من ذلك». وأضاف: «إنها اتفاقيات تعتمد على إعطاء كل جانب للآخر حرية التصرف وهامشاً معيناً للمناورة.. وفي ذلك نقطة ضعف ولكن أيضاً نقاط قوة».
ـ محاولة انتحارية ـ
وتقول حنين غدار، المحللة اللبنانية في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، إن «حزب الله لا يزال لديه بعض الصواريخ والأسلحة، ويمكنه فعل شيء ما، لكن إذا أقدم على ذلك فسيكون انتحاراً، لأن قادة الحزب يعلمون أن أي نوع من الهجوم يعني أن إسرائيل ستغتنم الفرصة، لتعود بقوة وتدمر ما تبقى من قوة الحزب».
وأشارت إلى أن حزب الله ربما يكون أيضا قلقاً من فقدان الدعم بين قاعدته، خاصة في الانتخابات البرلمانية العام المقبل، بعد أن دفعت هذه القاعدة ثمناً باهظاً لقرار خوض الحرب، الذي دمر قرى الجنوب وراح ضحيته الكثير من المدنيين.

 


ـ اتفاق غزة ـ 
ولأن احتمالات استئناف حزب الله للقتال أقل، فإن وقف إطلاق النار في غزة يعتبر الأضعف بين الهدنتين. لكن الاختبار الأصعب سيحين قبل بداية شهر مارس/آذار، عندما يتعين على حماس وإسرائيل أن تقررا ما إذا كانتا ستمددان الاتفاق إلى ما بعد الهدنة الأولية ومدتها 42 يوماً.
وراهناً، أشارت إسرائيل إلى رغبتها في الحفاظ على وقف إطلاق النار لتأمين عمليات إطلاق سراح الرهائن. لكن التمديد سيتطلب موافقة الجانبين على نهاية دائمة للحرب، وهو ربما ما لا يرغب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الوصول إليه، حيث تعتمد حكومته الائتلافية على اليمينيين المتطرفين الذين يسعون إلى السيطرة الإسرائيلية الدائمة على غزة، وقد تنهار إدارته إذا انتهت الحرب بالوضعية الحالية.
ورغم سماح شروط الاتفاقية ببعض المرونة، فإن مسؤولين إسرائيليين يقولون إنهم لن يبقوا حبيسين مفاوضات إلى ما لا نهاية، خاصة إذا توقفت حماس عن إطلاق سراح الرهائن الذين يشكلون ورقة المساومة الرئيسية لديها، وهو احتمال قائم إذا لم تلتزم إسرائيل بوقف الأعمال القتالية.
لكن الأكيد أيضاً أن حماس تتعرض لضغوط شديدة من سكان غزة الذين يعانون ظروفاً قاسية. ويفضل جزء كبير منهم العودة إلى تجمعاتهم المدمرة في شمال القطاع، بدلاً من البقاء عالقين في مخيمات متهالكة في منطقة المواصي جنوبي غزة.
ويؤكد مخيمر أبوسعدة، أستاذ العلوم السياسية الفلسطيني أن «حماس تريد وقف إطلاق النار، ولكن ليس بأي ثمن.. إنهم يريدون انتهاء الحرب تماماً».

 


ـ فعالية ترامب ـ
ومن الواضح أن الكثير من النجاح في استمرار وقف القتال، يعتمد على رغبة الرئيس الأمريكي ترامب في إقناع نتنياهو بالتوصل إلى اتفاق أكثر استدامة. ويضيف أبوسعدة: «إذا نجح نتنياهو في إقناع ترامب بالحاجة للعودة إلى القتال، فقد تنهار الاتفاقية».
وبينما كانت رسائل ترامب حاسمة في صياغة المرحلة الأولية، يبقى الترقب بشأن ما إذا كان سيحافظ على هذا الموقف بعد بضعة أسابيع. ومن المأمول أن يواصل ترامب تحقيق وعوده الانتخابية بأنه لا يريد أي حروب ويريد المزيد من السلام، سواء كان ذلك في غزة أو أوكرانيا أو في جميع أنحاء العالم.