رحل جلال الدين الروميّ عن عالمنا تاركاً خلفه إرثاً خالداً وأثراً لا يفنى. لم تكن وفاته سوى إيذان بانتشار رسالته الذي نادت بالتسامح والمحبة والسلام كقيم سامية تتسع لجميع البشر رغم الفوارق والاختلافات التي جُبلت عليها البشرية، فبقيت أشعاره وحكمته خالدة بعد 800 عام من رحليه يتردد صداها عبر أرجاء الدهر. وما زالت أفكاره ورؤاه تواكب تطورات كل عصر رغم اتساع المسافة الزمنية، وتسمو فوق اعتبارات العرق والإقليم لتنطلق بها نحو آفاق إنسانية تؤمن بأن البشر جميعاً أخوة تجمعهم روح المحبة والتفاهم الإنساني.
ومن خلال القسم الثالث والأخير من معرض «جلال الدين الرومي: 750 عاماً من الغياب..ثمانية قرون من الحضور» الذي يستمر في بيت الحكمة حتى 14 فبراير/شباط الجاري، نسلط الضوء على الأثر الذي تركه الرومي على التراث الثقافي والإرث الفكري الإنساني، من خلال أشعاره الحافلة بالحكمة وأفكاره المتدفقة عن الحب الإلهي، تحت عنوان «إرث خالد وأثر لا يفنى».
قرآن السَنْجَق
يستهل الزوار جولتهم في هذا القسم من المعرض بالاطلاع على مخطوطة فريدة تعرف بقرآن «السَنْجَق» أو «قرآن الراية»، والتي تعود إلى القرن العاشر الهجري خلال الحقبة العثمانية. تُعرض المخطوطة، التي تعد إحدى مقتنيات متحف الرومي في قونية، بحجم مصغر يبلغ قطرها 4 سنتيمترات، وقد اكتسبت اسمها من تقليد عسكري عثماني، حيث كان الجنود يحملونها على أسنة الرماح طلباً للحماية والنصر في ساحات المعارك.
بعدها، ينتقل الزوار إلى مخطوطة «ديوان سلطان ولد»، الذي ألفه ابن جلال الدين الرومي عام 768هـ، وهو من مقتنيات متحف الرومي. يتضمن الديوان مجموعة من القصائد والأشعار التي تعكس تعاليم والده حول الزهد والمحبة الإلهية، ويعد شاهداً على استمرار تأثير الرومي من خلال أسرته وتلامذته ومحبيه.
خِرْقَة الرومي
من أبرز المعروضات في هذا القسم «خِرْقة» جلال الدين الرومي، وهي رداء أزرق يعود إلى الحقبة السلجوقية من مقتنيات متحف الرومي، يُعتقد أن الرومي كان يرتدي هذا الرداء خلال حياته اليومية وجلسات الذكر والتأمل. وعلى الرغم من مرور القرون، لا تزال الخِرْقة بحالة جيدة، مع وجود بعض الترميمات البسيطة التي أجريت عليها للحفاظ عليها كإرث تاريخي حيّ.
خزانة مقتنيات الدراويش
تتضمن معروضات هذا القسم خزانة تحتوي على ثلاث قطع تعكس حياة الدراويش وممارساتهم الروحية، من بينها «رَحْلة» خشبية من القرن السابع الهجري، نقشت عليها رموز رومية، وكانت تُستخدم لحمل الكتب الدينية أثناء التلاوة والدراسة. وهناك أيضاً وعاء خشبي على شكل قارب يعرف باسم «الكشكول» وكان الدراويش يستخدمونه لجمع الإحسان الذي اعتمدوا عليه كمصدر للعيش على الكفاف.
خزانة الآلات الموسيقية
يستكشف زوار بيت الحكمة خزانة تحتوي على 3 آلات موسيقية تستخدم في جلسات السماع والذكر لإضفاء ألحان وإيقاعات تُعزز التأمل الروحاني وتساعد على الوصول إلى حالة الصفاء المنشودة. وتتضمن الآلات المعروضة «ربابة» أهداها جاهد جوزكان لمتحف الرومي مصنوعة من قشرة جوز الهند المغطى بالجلد؛ و«نايْ الكيز» المصنوع من الخيزران والمزود بمفاصل ملفوفة بسلك فضي لتعزيز أناقته، إلى جانب «القُدُم» أو دفّ الدراويش، الذي يعود إلى نُزُل دراويش الرومي في قونية، وهو عبارة عن طبول صغيرة مغطاة بالجلد الأحمر.
وفي ختام هذا القسم، يعاين الزوار «منحوتة الصوفي» من مقتنيات مؤسسة بارجيل للفنون في الشارقة، وهي منحوتة برونزية للفنان والنحات العالمي خالد زكي تجسد الحركة الدائرية للدراويش خلال طقوس السماع.
وتُرجمت أعمال الرومي بعد وفاته إلى عدة لغات. ولم تكن أشعاره مجرد كلمات مقفّاة، وإنما حملت بين ثناياها حكمة بالغة استُلهمت من التجربة الإنسانية والسعي نحو النقاء والصفاء الروحي، لتذكرنا بالقوة الهائلة التي يمكن أن يخلقها الحب والوئام بين جميع البشر.
أفكاره ورؤاه تواكب تطورات كل عصر
بيت الحكمة يحتفي بجلال الدين الرومي
31 يناير 2025 20:04 مساء
|
آخر تحديث:
31 يناير 20:04 2025
شارك