الشارقة: جاكاتي الشيخ
يعتبر كتاب العقد الفريد لابن عبد رَبِّه الأندلسي، من أهم مصادر الأدب والتاريخ في التراث العربي، فهو بمثابة موسوعة أدبية ضخمة، حيث يشتمل على مجموعة متنوعة من المواضيع في الشعر، والنثر، والأمثال، والحكم، والتاريخ، والأخبار، والنقد، وغيرها من فنون القول، بالإضافة إلى تعرضه لبعض المجالات الأخرى، مثل البلاغة، والعروض، والموسيقى، مع إشارات للأخلاق والعادات.
كان هذا الكتاب ثمرة جهد كبير قام به المؤلف، حيث اجتهد على أن يضم فيه كل ما له صلة بالثقافة الأدبية العربية، في تلك العصور، وهو ما أثبت الانتشارُ الواسع للكتاب نجاحه فيه، بالإضافة إلى ما حظي به من إشادات وتوصيات بقراءته من طرف المهتمين بالأدب العربي على اختلاف عصوره.
تسمية
يقول ابن عبد ربه عن كتابه هذا: «ألفت هذا الكتاب وتخيرت جواهره من متخير جواهر الأدب، ومحصول جوامع البيان، فكان جوهر الجواهر، ولباب اللباب، وإنما لي فيه تأليف الاختيار وحسن الاختصار، وفرش لدور كل كتاب، وما سواه فمأخوذ من أفواه العلماء، ومأثور عن الحكماء والأدباء».
وقد سُمي ب «العقد» لأن ابن عبد ربه قسّمه إلى أبواب أو كتب، تضمّن عنوان كل واحد منها اسم حجر كريم، كالزبرجدة، والمرجانة، والياقوتة، والجمانة، واللؤلؤة، وغير ذلك من أنواع عقود زينة النساء، ويُرجع بعض النقاد سبب شهرته باسم «العقد الفريد» إلى أن الكلمة الثانية أضيفت فيما بعد، وأول من أضافها هو الأبشيهي، صاحب كتاب «المستطرف».
ورغم أن مؤلف الكتاب أندلسي، إلا أن أكثر ما نقله فيه كان من أخبار أهل المشرق العربي، ويحكى أنه لما سمع الصاحب بن عباد عن «العقد» سعى في طلبه، حتى إذا حصل عليه قال: «هذه بضاعتنا رُدَّت إلينا»، إشارةً إلى ما فيه من ثقافة مشرقية.
إن أهمية كتاب «العقد الفريد» تنبع من كونه موسوعة أدبية ثرية، حيث يعتبر مرجعاً شاملاً للأدب العربي، ذلك لأنه يضم مجموعة كبيرة من النصوص الأدبية، الشعرية، والنثرية، التي تعود إلى العصور العربية القديمة، كما يتميز بتنوع المواضيع التي يتناولها، مما يجعله مصدراً مهماً للمعرفة والثقافة العامة، بالإضافة إلى أسلوبه الأدبي الرفيع، الذي يجمع بين جمال اللغة ودقة التعبير، وكذلك ما يحتويه من لمحات عن الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية في المنطقة العربية حينها، بما فيها الأندلس.
ويقسّم ابن عبد ربه الكتاب إلى خمسة وعشرين باباً، يتناول كل واحد منها موضوعاً محدداً.
أثر
منذ أن صدر هذا الكتاب، ظلّ له تأثير كبير على الأدب العربي، حيث اعتمد عليه العديد من الكتّاب والأدباء والدارسين في مؤلفاتهم، وهو تأثير لا يزال متواصلاً في الدراسات الأدبية والتاريخية حتى يومنا هذا، وقد كتب عنه الكثير من الأدباء والمؤرخين العرب، على مرّ تاريخه، ومن ذلك أن ابن خلكان قال عنه: «هو من الكتب الممتعة، حوى من كل شيء»، ويرى بعض الباحثين أن المؤلف ابتعد فيه عن ذكر الأسانيد خوفاً من التطويل. حُقّق الكتاب من قبل العديد من الباحثين، منهم الدكتور إميل بديع يعقوب، ومحمد سعد العريان، ونشرت له عدة طبعات، في مصر ولبنان، وقام محمد شفيع، أستاذ اللغة العربية بجامعة البنجاب الهندية، بإصدار كتاب في جزأين عن «العقد الفريد»، أحدهما فهرس تحليلي للنسخ المطبوعة في مصر، والثاني تصحيحات وتعليقات ومقارنات بينها، ونشرها في كلكتا سنة 1937م، كما ظهر الكتاب في عدد من المختصرات منها: «مختصر العقد» لأبي إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن الرياشي، و«مختار العقد الفريد» الذي صنّفه كلّ من عبد الحكم محمد، وعبد الخالق عمر، وعبد العزيز خليل، ومحمد الخضري، وطبع بالقاهرة سنة 1913م، و«اختيارات من العقد الفريد» لفؤاد البستاني، وطبع ببيروت سنة 1927م.
إضاءة
مؤلف كتاب «العقد الفريد» أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربِّه الأندلسي، الذي عاش ما بين (246- 328 ه/ 860- 940 م)، هو مؤرخ، وأديب، وشاعر أندلسي، ولد في قرطبة ونشأ وتوفي فيها، وقد عرف عنه تميّزه بسعة الاطّلاع، في الشعر والعلم والرواية، وكتب الشعر في أغراض مختلفة، منها أشعار في المواعظ والزهد سماها «الممحصات»، وكان يتكسب من الشعر بمدحه للأمراء، فعُدّ بذلك أحد الذين أثروا بأدبهم بعد الفقر، كما كان من الرواد في نشر فن الموشحات، وله عدة مؤلفات هي «العقد الفريد»، و«أمثال العرب»، و«سحر البيان»، و«أبناء النور»، و«طبائع النساء وما جاء فيها من عجائب وغرائب وأخبار وأسرار»، وقد أصيب بالفالج قبل وفاته بأعوام.