لماذا نُحمّل النظام التعليمي وحده مسؤولية صناعة أجيال قادرة على بناء المستقبل؟ التعليم مسؤولية مشتركة، لا تنحصر في المدارس، بل تبدأ من البيت، وتتجذّر في المدرسة، ويقودها المعلم، ويُكملها الطالب بوعيه وإرادته.
تخصيص يوم للتعليم في الإمارات ليس مجرد احتفاء رمزي، بل تأكيد على أن الاستثمار في العقول هو الاستثمار الأهم. الإمارات لم تكتفِ ببناء مدارس وجامعات متقدمة، بل تبنّت رؤية تجعل من التعليم حجر الأساس في بناء اقتصاد معرفي، قائم على الابتكار والبحث والتطوير. قيادة الدولة تدرك أن المستقبل لا يُبنى بالمناهج التقليدية وحدها، بل بتعليم يُخرّج مفكرين وروّاد أعمال ومبتكرين، لا مجرد موظفين ينتظرون الفرص.
الأسرة هي المحطة الأولى التي يتشكل فيها وعي الطفل تجاه التعلم. إذا نشأ الطفل في بيئة تُقدّس المعرفة وحب الاطلاع والقراءة، وترى في الأسئلة وسيلة للفهم وليس للتمرد، سيتحول حب التعلم إلى عادة. الأسرة التي تحفّز طفلها على التفكير، ولا تفرض عليه الإجابات الجاهزة، تبني شخصاً قادراً على التحليل والاستنتاج، لا مجرد متلقٍ للمعلومات. مع العلم بأهمية عدم التركيز فقط على التحصيل الدراسي والحصول على أعلى الدرجات، لكن أيضاً بناء شخصية هذا الطالب للتعامل مع جميع متغيرات الحياة أمر ضروري لتنمية مهارات التفكير والإبداع لديه.
في المدرسة، لا يُقاس دور المعلم بعدد الدروس التي يُلقيها، بل بعدد العقول التي يوقظها. المعلم الذي يضع الطالب أمام تحديات فكرية، ويدفعه للخروج من إطار التلقين إلى التحليل والتساؤل، هو الذي يترك أثراً حقيقياً يمتد أثره على مدى سنوات، حيث يأتي دور المعلم في تدريب العقل على البحث عن المعلومة وفهم أبعادها وليس فقط تقديمها.
الطالب ليس متلقياً ينتظر من الآخرين أن يصنعوا مستقبله. الجيل الذي نحتاج إليه اليوم هو الذي يفهم أن التعلم مسؤولية شخصية، وأن النجاح ليس في حفظ المقررات، بل في القدرة على ربط المعرفة بالواقع، وتحويلها إلى مهارة تُحدث فرقاً. العقل الذي لا يُطرح عليه الأسئلة، ولا يُحفّز على التفكير النقدي، سيتحول إلى أداة تكرار، وليس أداة إبداع.
الإمارات، برؤيتها الطموحة، لم تجعل التعليم مجرد مرحلة، بل مشروع مستمر مدى الحياة. تخصيص يوم للتعليم هو رسالة واضحة بأن التعليم ليس رفاهية، بل ضرورة وطنية، وأن مسؤولية تطويره لا تقع على عاتق المؤسسات التعليمية وحدها، بل على كل فرد في المجتمع. إذا استمررنا في تحميل النظام التعليمي وحده المسؤولية، فلن نحصل إلا على أجيال تخرجت بشهادات، لكنها لم تتخرج بفكر يصنع التغيير. المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع، والتعليم هو أداته الأولى، لكنه لن يكون فعالاً ما لم يشارك الجميع في بنائه.
* مدير عام إدارة سلامة الطفل