يروى أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله، ما عمل أهل الجنة؟ قال: «الصدق، إذا صدق العبد برَّ وأمِن، وإذا أمِنَ دخل الجنة» وقد أمر الله تعالى المؤمنين به بالصدق، فقال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ» (التوبة: 119)، وقال عزَّ شأنه: «قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» (المائدة: 119).
جاء في كتاب «التذكرة الحمدونية» لمحمد بن الحسن بن حمدون (495ه - 562ه)، أن عمرو بن العلاء القارئ، قال: ساد عتبة بن ربيعة وكان مُمْلِقاً (فقيراً)، وساد أبوجهل وكان حَدَثاً، وساد أبوسفيان وكان بخيلاً، وساد كليب بن وائل وكان ظلوماً، وساد عُيَيْنة وكان محمقاً، ولم يَسُدْ قطُّ كذاب، فصلح السؤدد مع الفقر والحداثة، والبخل والحمق، ولم يصلح مع الكذب، لأن الكذب يعمُّ الأخلاق كلها بالفساد.
قال يحيى بن خالد: رأيت شرِّيب خمر نزع، ولصّاً أقلع، وصاحب فواحش رجع، ولم أر كذَّاباً رجع. وقال الأصمعي: قيل لرجل معروف بالكذب: هل صدقت؟ قال: أخاف أن أقول «لا» فأصدق، وآفة الكذب النسيان، كما قال الشاعر: ومِنْ آفةِ الكذابِ نسيانُ كذبهِ.. وتلقاهُ ذا دَهْيٍ إذا كان كاذبا.
قيل إن الكذب يُحمدُ إذا وصل بين المتقاطعين، أو أصلح بين الزوجيْن ويُذم الصدق إذا كان بخيبة وقد رُفع الحرج عن الكاذب في الحرب وعن المُصلح بين المرء وزوجه.
جاء في كتاب «المُستطْرَف في كل فنٍّ مُستظْرَف» لشهاب الدين الأبشيهي (790ه - 852ه) أنه لما نصب معاوية ابنه يزيد لولاية العهد، أقعده في قبة حمراء، وجعل الناس يسلمون على معاوية، ثم يسلمون على يزيد، حتى جاء رجل ففعل ذلك، ثم رجع إلى معاوية، فقال: يا أمير المؤمنين، أعلم أنك لو لم تولِّ هذا أمور المسلمين لأضعتها والأحنف ساكت، فقال معاوية: ما لك لا تقول يا أبا بحر؟ فقال: أخاف الله تعالى إن كذبت، وأخافكم إن صدقت، فقال: جزاك الله خيراً عما تقول. فلما خرج الأحنف لقيه ذلك الرجل بالباب، فقال: يا أبا بحر، إني لأعلم أن هذا من شرار الناس ولكنهم استوثقوا من الأموال بالأبواب والأقفال، فلسنا نطمع في إخراجها إلا بما سمعت، فقال الأحنف: يا هذا، أمسكْ، فإن ذا الوجهيْن خليق ألا يكون عند الله وجيهاً.
روائع التراث الإسلامي
2 مارس 2025 00:23 صباحًا
|
آخر تحديث:
2 مارس 02:48 2025
شارك