الشارقة : جاكاتي الشيخ
كتاب «يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر» المعروف اختصاراً ب«اليتيمة» للثعالبي، هو واحد من أهم المصنفات الأدبية التي أُلّفت في تاريخ الحضارة العربية، وأشهرها في القرن الرابع وبداية القرن الخامس الهجريين، وهو أول كتاب في تراجم الشعراء يصنّفهم وفق تقسيم الأقاليم التي ينتمون إليها، وقد تعرّض فيه مؤلفه للمعاصرين له.
أتم الثعالبي كتابه سنة 384ه، فلما رأى ما لقيه من الشهرة والذيوع أعاد تأليفه سنة 403ه، وهو بجرجان، وأهداه لخوارزم شاه، وبعد عشرين عاماً ألحق به ذيلاً، كان بمثابة السجل لمستجدات الشعر والشعراء، وفيه تطرق لذكر أبي العلاء الذي كانت شهرته قد طبقت الآفاق بعد انتشار اليتيمة.
غاية
كانت غاية المؤلف من وراء تصنيف هذا الكتاب هي خدمة اللغة العربية عن طريق الشعر، يقول في مقدمته «ولمّا كان الشعر محمدة الأدب وعلم العرب الذي اختصوا به دون سائر الأمم، وبلسانهم جاء كتاب الله المنزل على النبي فيهم المرسل، صلوات الله وسلامه عليه، كانت أشعار الإسلاميين أرق من أشعار الجاهليين، وأشعار المحدثين ألطف من أشعار المتقدمين، وأشعار المولدين أبدع من أشعار المحدثين، وكانت أشعار العصريين أجمع لنوادر المحاسن، وأنظم للطائف البدائع من أشعار سائر المذكورين، لانتهائها إلى أبعد غايات الحسن، وبلوغها أقصى نهايات الجودة والظرف، تكاد تخرج من باب الإعجاب إلى الإعجاز، ومن حد الشعر إلى السحر، فكأن الزمان ادّخر لنا من نتائج خواطرهم، وثمرات قرائحهم، وأبكار أفكارهم أتم الألفاظ والمعاني استيفاءً لأقسام البراعة، وأوفرها نصيباً من كمال الصنعة ورونق الطلاوة». وقد اتفق كثيرون على أن هذا الكتاب يعد من أغنى المراجع الأدبية، لمن أراد أن يدرس الشعر العربي، والحالة الاجتماعية والسياسية للأمة العربية في القرن الرابع الهجري وبداية القرن الخامس الهجري.
أقسام
صنّف الثعالبي الكتاب على أربعة أقسام: أولها في محاسن أشعار آل حمدان، وشعرائهم، وغيرهم من أهل الشام وما جاورها، ومصر، والموصل، والمغرب، وبعض من أخبارهم، وثانيها في محاسن أشعار أهل العراق، وإنشاء الدولة البويهية وميزة الطبقات التي أنشأتها، وما يتعلق بها من أخبارهم، ونوادرهم، وبعض قصص المترسلين منهم، وثالثها: في محاسن أشعار أهل الجبل وفارس وجرجان وطبرستان، أما رابعها ففي أشعار أهل خراسان وما وراء النهر، من إنشاء الدولة السامانية والغزنية، والطارئين على الحضرة ببخارى من الآفاق، والمتصرفين على أعمالها، وما يستطرف من أخبارهم، وخاصة أهل نيسابور، والغرباء الطارئين عليها والمقيمين بها.
وقد جعل كل واحد من تلك الأقسام موزعاً على عشرة فصول، يتناول في كل فصل ترجمة شاعر أو أكثر، حتى بلغت تراجم بعض الفصول العشرات، واعتمد في كثير من تراجمه على مشافهة من يترجم لهم، فإن تعذر ذلك فمِمَّن شافهوهم، فإن تعذر ذلك وهو النادر لجأ إلى دواوين الشعراء ينتقي منها وينتخب.
أسلوب
اعتمد الثعالبي في كتابه منهجاً يجمع من خلاله النصوص ويرتبها، وفق معايير فنية وجمالية رصينة، ثم يقدم شروحاً وتعليقات عليها، ما مكّنه من أن يضم في الكتاب مجموعة كبيرة من النصوص الأدبية والشعرية، التي تعكس تطور الأدب العربي في تلك الفترة.
كما يتميز الكتاب بأسلوب أدبي رفيع، حيث يستخدم اللغة بطريقة جميلة وبليغة، معتمدة على الصور البيانية والتشبيهات والاستعارات لزيادة تأثير النصوص، وجعل القارئ يثق بذوق المؤلف ومستواه الأدبي.
وسبق المؤلفُ النقادَ في ثنائه على أسلوب كتابه فقال: «ولا أحسب المستعيرين يتعاورونه، والمنتسخين يتداولونه، حتى يصير من أنفس ما تشح عليه أنفس أدباء الإخوان، وتسير به الركبان إلى أقاصي البلدان».
وقد تأثر العديد من الكتاب والمؤرخين بالأسلوب الذي اعتمده الثعالبي في الكتاب لتصنيف من يتناولهم، فسار عدة أدباء ومؤرخين على منواله، وكان أولهم تلميذه الباخرزي، الذي ألحق ب«اليتيمة» ذَيْلاً سمّاه «دمية القصر»، وتلاه علي بن زيد البيهقي بكتابه «وشاح اليتيمة»، والحظيري بكتابه «زينة الدهر»، والعماد الأصبهاني بكتابه «خريدة القصر»، وابن البسام بكتابه «الذخيرة» في بلاد الأندلس.
إضاءة
مؤلف الكتاب هو أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي، الذي عاش ما بين 350 - 429 ه/ 961 – 1038م، وهو أديب ولغوي فارسي الأصل، ضلع في النحو والأدب، وامتاز في حصره وتبيانه لمعاني الكلمات والمصطلحات، عاش في نيسابور، ويعدّ من أبرز الشخصيات الأدبية في عصره، كان كثير الحفظ، فعرف بحافظ نيسابور.