الشارقة: جاكاتي الشيخ

«كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني واحد من أهم الموسوعات الأدبية، تم تأليفه في القرن الرابع الهجري، وهو عبارة عن مجموعة ضخمة من الأغاني العربية المتميزة في ذلك العصر والعصور التي سبقته، حيث قام المؤلف بجمعها مع ذكر أساليب الغناء فيها، مُرفقاً ذلك بشروح وتعليقات لما تحويه هذه الأصوات من أشعار ودلالات.
كان سبب تسمية الأصفهاني لكتابه بهذا الاسم هو كونه بنى مادته في البداية على مئة أغنية، كان الخليفة هارون الرشيد قد طلب من مغنيه الشهير إبراهيم الموصلي أن يختارها لهُ، وقد ضم المؤلف إليها أغاني أخرى في كتابه، الذي استغرق في تأليفه زهاء خمسين عاماً، وبعد أن انتهى منه أهداه إلى سيف الدولة الحمداني، فأعطاه ألف دينار، لتبدأ شهرة الكتاب، فأرسل إليه الحكم المستنصر بالله خليفة الأندلس ملتمساً نسخة من الكتاب مقابل ألف دينار عيناً ذهباً أخرى، فأرسل الأصفهاني له نسخة منقحة قبل أن يوزع الكتاب في العراق.
منهج
من أجل أن يكون كتابه مميّزاً، اعتمد الأصفهاني في تأليفه على منهج خاص، حيث جمع بين الأدب والتاريخ والغناء، ليقدم مادة غزيرة ومتنوعة، وحرص على توثيق الأغاني التي اختارها، وذكر أسانيدها، رغم أنه لم يكن مقتنعاً تماماً بالإسناد، إذ كان ينتقد الرواة، ويبين درجة الخطأ والتناقض في رواياتهم، وعمد إلى ضمّ الأخبار المتشابهة بعضها إلى بعض، في عملية تنقية يمزجها فيها وينسقها حاذفاً العناصر المتناقضة، كما يفصل بين الأديب وإبداعه الفني، فيروي أخباره، ويورد له نصوصاً تدل على طبيعته، حتى وإن كانت بعيدة عن الأخلاق، وإضافة إلى ذلك، فإنه يهتم بشرح الأبيات والأشعار، وتوضيح معانيها، وتقديم معلومات عن قائليها، كما تناول حياة العرب في مختلف العصور، وعاداتهم وتقاليدهم، بتفصيل يمنح القارئ القدرة على الاطلاع عليها بأدق التفاصيل.
ورغم وضوح منهجه في التأليف، فإن الأصفهاني لم يرتب محتويات الكتاب ترتيباً محدداً، بل جمع مادته بشكل متداخل، ما منحه الحرية في تقديم مادة متنوعة، تجمع بين الغناء، والشعر، والتاريخ، والأنساب، والأدب، والنقد، وهو ما بوَّأه مكانته بين أمهات كتب التراث العربي.
محتويات
وتنقسم الأغاني المختارة في الكتاب إلى قسمين، أولهما «الأصوات الثلاثة»، وهي مجموعة منتقاة، من أجمل وأشهر الأغاني في ذلك الوقت، اختارها المغني إبراهيم الموصلي للخليفة الواثق، ومعها الأغاني المئة الأخرى التي اختارها المطرب نفسه لهارون الرشيد، أما القسم الثاني، وهو الجزء الأكبر من الكتاب، فهو عبارة عن مجموعة كبيرة من الأغاني التي اختارها الأصفهاني، مع شروحها وأخبار مؤلفيها.
كما يخصص المؤلف جزءاً كبيراً من كتابه للحديث عن أخبار المغنين والشعراء الذين ارتبطت أسماؤهم بالأغاني المذكورة، ويتضمن هذا الجزء تراجم وسِيَراً بتفاصيل مهمة، ولأن الكتاب لا يقتصر على الأدب والغناء، ضَمّنه المؤلف قدراً كبيراً من الأنساب، وأخبار القبائل، والأحداث التاريخية المهمة، التي تجعله مصدراً لتاريخ تلك الفترة، كما يحتوي على مختارات واسعة من الشعر العربي في مختلف العصور، بدءاً من الشعر الجاهلي، ثم الشعر الأموي، وصولاً إلى الشعر في العصر العباسي، إضافة إلى النقد الأدبي، حيث يضم آراء الأصفهاني النقدية حول الشعر والشعراء، وهو جزء مهم لفهم تطور النقد الأدبي في تلك الفترة.
مكانة
ورغم تقليل بعض القدماء والمحدثين من قيمة الكتاب، واصفين مادته بغير الدقيقة، فإن ذلك لم يمنعه من أن يظل مثيراً لاهتمام القراء، منذ تأليفه، ما يرى بعض النقاد أن سببه هو كون هدف الكتاب ينحصر في الإمتاع لا السرد التاريخي المألوف، وذلك لأنه يهمل الأخبار غير الجذابة، حتى لو كانت مفيدة، ويركّز على القصص المشوقة والحكايات المسلية، وإن لم تكن ذات قيمة، متناولاً عدداً من العلوم اللغوية، والكثير من أخبار الفتوح، وقصص الشخصيات السياسية والثقافية والدينية، وما يرتبط بذلك من صور الحياة الاجتماعية للعرب، في الجاهلية والعصرين الأموي والعباسي.
ظل هذا الكتاب محتفظاً بمكانته، بين أهم كتب الأدب والتاريخ، حيث يعتبر مرجعاً أساسياً للأدباء، والباحثين في تراث الحضارة العربية، فهو ثريّ بما يحتوي عليه من معلومات هذه الحضارة، من مدارس الشعر والغناء، وتراجم الشعراء والمغنين والموسيقيين، ونقد للشعر، وأخبار متنوعة عن مختلف مكونات المجتمع.
وفي العصر الحديث تمت طباعته عدة مرات، أشهرها الطبعة البولاقية في مصر، واثنتان في الجزائر ولبنان، ومن أشهر مُحقِّقِيه محمد عبد الوهاب عزام، وعبد الستار فراج، وإحسان عباس.