الشارقة: جاكاتي الشيخ

كتاب «الأمالي» لأبي علي القالي واحد من أمهات كتب الأدب واللغة والتاريخ في الثقافة العربية، حيث يحتوي على معلومات غزيرة وقيّمة، تتعلق بالحياة الثقافية والاجتماعية في العصور القديمة لهذه الثقافة، ما جعله مصدراً مهمّاً، لا يزال الباحثون والقراء يرجعون إليه للاطّلاع على الكثير منها.
يُبرز هذا الكتاب المستوى المعرفي الذي كان يتمتّع به القالي، فهو واحد من أولئك الذين نذروا حياتهم للمعرفة وتحصيلها، وأراد من وراء ذلك أن يسهم في تقديمها موثّقة ليستفيد منها معاصروه والأجيال التي ستأتي بعدهم.
نشأت مادة كتاب «الأمالي» من مجموعة مجالس كان يقدّم خلالها القالي لتلاميذه محاضرات في اللغة والأدب، في قرطبة وفي المسجد الجامع بالزهراء، حيث كان يُملي عليهم ما يحفظه من مختلف ضروب الثقافة العربية المعروفة في ذلك الزمن، وهم يقومون بتدوينها، وحول ذلك يقول في مقدمة الكتاب: «فإنّي لمّا رأيت العلم أنفس بضاعة، وأيقنت أن طلبه أفضل تجارة، فاغتربتُ للرواية، ولزمت العلماء للدراية، ثم أعملتُ نفسي في جمعه، وشغلت ذهني بحفظه، حتى حويت خطيره، وأحرزت رفيعه، وعرفت دقيقه، وعقلت شارده، ورويت نادره، وعلمت غامضه، ووعيت واضحه... فأمْلَلْتُ هذا الكتابَ بقرطبة، وفي المسجد الجامع بالزهراء المباركة، وأودعته فنوناً من الأخبار، وضروباً من الأشعار، وأنواعاً من الأمثال، وغرائب من اللغات، على أنني لم أترك فيه باباً من اللغة إلا أشبعته، ولا ضرباً من الشعر إلا اخترته، ولا فنّاً من الخبر إلأ انتَخَلْتُه، ولا نوعاً من المعاني والمَثَل إلا استجدتُه».
مكونات
يتضمن الكتاب العديد من الأخبار والقصص التاريخية، التي تتناول أحداثاً وشخصيات بارزة في التاريخ العربي والإسلامي، بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من الأشعار والأمثال والحكم، التي تعكس ثقافة العرب وعاداتهم وتقاليدهم، كما يحتوى على العديد من الفوائد اللغوية والأدبية التي تتعلق باللغة العربية وآدابها، وكذلك العديد من النوادر والطرائف، التي تهدف إلى الترفيه، وإدخال القارئ في جوّ من المرح.
وفي طريقة تأليفه، يقف القالي من القارئ موقف المعلم، فما يكاد يرد فيه نص -شعراً أو نثراً- إلا واتبعه المؤلّف بشرح مستفيض، خاصة أنه كان يعمد في بعض الأحيان إلى تقديم نصوص يصعب على غير المُتبحّرين في مجالها فهمها، فقد ضم الكتاب الكثير من غريب القرآن، إذ يقدّم الآية، ثم يعرض لألفاظها ومعانيها، كما أورد الكثير من الأحاديث النبوية مع شرحها، بالإضافة إلى الكثير من كلام الحكماء، وأحاديث البلغاء، والوصايا بأنواعها، كما اهتم المؤلف بإيراد الكثير من الأمثال العربية في مواطن عديدة من كتابه، مع شرحها وبيان المناسبة التي قيلت فيها، فيما كانت النصوص الشعرية فيه غزيرة كذلك، مع عناية وذوق في اختيارها، وعرضها، مع احتوائه أيضاً على الكثير من أراجيز العرب، وقد كان في كل ذلك يتبع دقة في الإسناد والرواية، فلا يكاد يذكر نص إلا وقد وصل إسناده إلى صاحبه عن طريق الرواية الدقيقة، كما أكّد ذلك في مقدّمته. ويلاحظ المتصفّح للكتاب أنه يتميز بأسلوب سلس وواضح، من دون أن يمنعه ذلك من عكس ثقافة العصر الذي عاش فيه مؤلفه، ما منحه الأفضلية على الكثير من الكتب، لأن يكون مصدراً مهمّاً للباحثين والدارسين في مجالات الأدب والتاريخ واللغة، الذين يساعدهم على فهم أعمق للتراث العربي والإسلامي.
وقد أثنى العديد من العلماء على كتاب الأمالي، واعتبروه من أهم المصنّفات العربية التي أُلّفت في الأدب والتاريخ، حيث قال عنه ابن خلدون: «كتاب الأمالي من أجلّ الكتب المصنفة في الأدب»، وقال ياقوت الحموي: «كتاب الأمالي من الكتب التي لا يستغني عنها الأديب»، وهي الأهمية التي ظلّ عليها، حتى وصل إلى عصرنا، حيث طبع عدة مرات، أشهرها طبعته الأولى بمطبعة بولاق الأميرية بمصر، ثم طبعة مؤسسة الرسالة.
إضاءة
أبو علي إسماعيل بن القاسم القاليّ، الذي عاش ما بين 288 - 356ه، هو مؤلف وعالم لغوي، ولد في مدينة ديار بكر شرقي تركيا، ووفد إلى بغداد عام 303 ه، وتتلمذ على عدد من علماء النحو واللغة والأدب والحديث والقراءات، ليصبح عالماً كبيراً وواحداً من جهابذة اللغة العربية على مر التاريخ، فوصلت شهرته الأندلس، ليستدعيه الخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر لدين الله إليها، فاستُقبل بحفاوة كبيرة، وأدناه ولي العهد الذي كان يعتني بالثقافة والأدب، ويحتضن الشعراء والكتّاب والأدباء، ويهتم باقتناء نوادر الكتب، فأغدق عليه المال ليُشجعه على التأليف، فعُرف القالي هنالك بالبغدادي، وانتشر علمه فيها، وألّف وقدم الدروس وأملى كُتبه في جامع الزهراء، وأقبل عليه الطلاب من كل مكان، حتى توفي بقرطبة، بعد أن ترك العديد من المؤلفات منها: كتاب «الأمالي»، و«البارع في اللغة»، و«المقصور والممدود والمهموز»، الذي قيل إنه لم يُؤلف في مجاله كتاب مثله، و«الأمثال»، و«الإبل ونتاجها»، و«مقاتل الفرسان»، و«في حلي الإنسان والخيل وشياتها»، و«فعلت وأفعلت» وكتاب في شرح المعلقات، و«تفسير السبع الطوال».
كتاب «الأمالي» لأبي علي القالي واحد من أمهات كتب الأدب واللغة والتاريخ في الثقافة العربية، حيث يحتوي على معلومات غزيرة وقيّمة، تتعلق بالحياة الثقافية والاجتماعية في العصور القديمة لهذه الثقافة، ما جعله مصدراً مهمّاً، لا يزال الباحثون والقراء يرجعون إليه للاطّلاع على الكثير منها.