من أكثر المصنّفات شهرة في التاريخ العربي كتاب «البيان والتبيين» للجاحظ، الذي يعتبر من أهم أمهات كتب الأدب العربي، وذلك لأن مُؤلّفه حاول من خلاله وضع أسس علم البيان وفلسفة اللغة، عبر عرض منتخبات أدبية من الخطب والرسائل والأحاديث والأشعار، التي يزخر بها الموروث الثقافي لهذه الأمة.
في هذا الكتاب استطاع الجاحظ التأكيد على ما أبداه في كتبه الأخرى من حرصه على تقديم مدرسة فنية جديدة في الأدب العربي، تغوص في دلالات القول الإبداعي ومعانيه، وتَختَطّ أسلوباً خاصاً لإيضاح ما يستشكل على القارئ والمتلقي في ما يقع عليه من نصوص عربية، على اختلاف أنواعها.
تحدّث الجاحظ عن موضوع الكتاب في بداية الجزء الثالث منه، بقوله: «هذا أبقاك الله الجزء الثالث من القول في البيان والتبيين، وما شابه ذلك من غرر الأحاديث، وشاكله من عيون الخطب، ومن الفِقر المستحسنة، والنُّتف المستخرجة، والمقطعات المتخيرة، وبعض ما يجوز في ذلك من أشعار المذاكرة والجوابات المنتخبة».
ولذلك فقد عكس هذا الكتاب ثقافة الجاحظ الواسعة واطّلاعه على مختلف العلوم والمعارف، لما يحتوي عليه من الآراء والأفكار.
محتوى
يتكوّن الكتاب من ثلاثة أجزاء، يفصّل المؤلف فيها رؤيته في علم البيان وفلسفة اللغة، حيث تحدّث في الجزء الأول عن مفهوم البيان وأنواعه، وآفات اللسان، والبلاغة والفصاحة، وتحدّث في الجزء الثاني عن الخطابة وطبقات الشعراء، أما الجزء الثالث فقد تحدّث فيه عن أصل اللغة وقيمة الشعر، مُورِداً في كل جزء من الأجزاء الثلاثة منتخبات من كلام الأنبياء في القرآن الكريم، وأحاديثَ، وخطباً ومقطعات، ورسائل وأشعاراً، جامعاً في ذلك بين مختلف ما يقوله الناس على اختلاف طبقاتهم ومستوياتهم المعرفية والعقلية.
وقد تعرَّض لموضوعاته: الخطابة، والشعر، والكتابة، واللغة، والبلاغة، والنقد، بما يرى أنه يقدّمها للقارئ من خلاله برؤية تستجلي غايتها، ومكامن الجمال فيها، فكان يتناول مفهوم كل واحد منها، وأهميته، وأنواعه، وأساليبه، وأشهر المبدعين فيه، مستعرضاً أهم مميزات الإتقان، وأنواع العيوب المُخلّة بالذوق الأدبي.
أسلوب
نظراً للمستوى اللغوي المعروف لدى الجاحظ، يتميز كتاب «البيان والتبيين» بأسلوب أدبي رفيع، يجمع بين الجزالة والوضوح، والإيجاز والإسهاب، رغم تنوع موضوعاته، وثرائه بالمعلومات، وغزارة مادته.
وليجنب ذلك القارئَ الملل والسأم التزم الجاحظ تصميماً يقدّم من خلاله في كل جزء من أجزاء الكتاب الثلاثة بحثاً في البيان والتبيين، ومجموعات من الأحاديث، والخطب، والمقطعات، والجوابات، والأشعار، وهو ما عبّر عنه بقوله: «وجه التدبير في الكتاب إذا طال أن يداوي مُؤلِّفُه نشاطَ القارئ له، ويسوقه إلى حظه بالاحتيال له، فمن ذلك أن يخرجه من شيء إلى شيء، ومن باب إلى باب، بعد أن لا يخرجه من ذلك الفن، ومن جمهور ذلك العلم».
ثناء
وقد أثنى على كتاب «البيان والتبيين» الكثير من الأدباء والكتاب منذ تأليفه، فعنه يقول أبو هلال العسكري، في كتابه «الصناعتين»، عند الكلام عن كتب البلاغة: «وكان أكبرها وأشهرها كتاب البيان والتبيين، لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، وهو لعمري كثير الفوائد، جم المنافع، لما اشتمل عليه من الفصول الشريفة، والفِقر اللطيفة، والخطب الرائعة، والأخبار البارعة، وما حواه من أسماء الخطباء والبلغاء، وما نبه عليه من مقاديرهم في البلاغة والخطابة، وغير ذلك من فنونه المختارة، ونعوته المستحسنة»، ويقول ابن رشيق القيرواني في كتابه «العمدة»: «وقد استفرغ أبو عثمان الجاحظ الجهد وصنع كتاباً لا يُبْلغ جودةً وفضلاً، ثم ما ادّعى إحاطته بهذا الفن، لكثرته، وإن كلام الناس لا يحيط به إلا الله عز وجل».
إضاءة
مؤلف كتاب «البيان والتبيين» هو أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب بن فزارة الليثي الكناني البصري، المشهور ب«الجاحظ»، الذي يُعدّ واحداً من أكبر أئمة الأدب العربي عبر التاريخ، وقد ولد في البصرة وعاش فيها ما بين 159 ه و255 ه، وكان يتّصف بالذكاء وسرعة البديهة والقدرة على الحفظ، فاشتهر في زمنه وارتفع قدره، وقد تعلّم الشعر من أبي عبيدة، والأصمعي، وأبي زيد الأنصاري، وتعلّم النحو من صديقه الأخفش أبي الحسن، وتعلّم الفصاحة شفاهةً من العرب في المربد، وكان يتّصف بالظرافة، ما جعله يتميز بخفّة الظلّ، ولُقّب بالجاحظ لبروز عينيه الكبيرتين، وعرف عنه الحثّ على العمل بأحكام العقل لا بأحكام الحواسّ المعرّضة للخطأ، وكان صاحب مدرسة فنية خاصة، بليغٌ مكثرٌ من التصنيف، ومكثر فيه من الطريف النادر، وقد ألف نحو 360 كتاباً، من بينها: «البيان والتبيين»، و«سحر البيان»، و«البخلاء»، و«اللصوص»، و«الأخبار».
من أكثر المصنّفات شهرة في التاريخ العربي كتاب «البيان والتبيين» للجاحظ، الذي يعتبر من أهم أمهات كتب الأدب العربي، وذلك لأن مُؤلّفه حاول من خلاله وضع أسس علم البيان وفلسفة اللغة، عبر عرض منتخبات أدبية من الخطب والرسائل والأحاديث والأشعار، التي يزخر بها الموروث الثقافي لهذه الأمة.
«البيان والتبيين».. مدرسة الجزالة اللغوية
4 مارس 2025 23:46 مساء
|
آخر تحديث:
4 مارس 23:46 2025
شارك