الشارقة: جاكاتي الشيخ
يعتبر كتاب «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون أحد الكتب الأدبية الرائعة، التي احتفظت بمكانة أثيرة في المكتبة العربية وفي قلوب محبي الأدب العربي وباحثيه، فقد احتوى على الكثير من النصوص الأدبية الشعرية والنثرية، بالإضافة إلى العديد من النصوص الأخرى، التي رأى المؤلف أنها تصبّ في إطار هدفه من تأليفه.
بذل ابن حمدون جهداً كبيراً من أجل تقديم هذه الموسوعة الأدبية الكبيرة، التي تتكون من اثني عشر مجلداً وذلك من خلال جمع مادته الغزيرة، واختيار ما يصلح لأن يجعل من الكتاب واحداً من أمهات كتب الأدب العربي عبر تاريخه ويقول عن ذلك في مقدمته: «هذا كتاب جمعته من نتائج الأفكار وظرف الأخبار والآثار ونظمت فيه فريد النثر ودرره وضمنته مختار الشعر ومحبَّره وأودعته غُرر البلاغة وعيونها وأبكار القرائح وعُونَها وبدائع الحكم وفنونها وغرائب الأحاديث وشجونها».
ترويح
كان هذا الكتاب بمثابة فضاء ترويحي للنفس، هروباً بها عن ضغوط الحياة اليومية، وما يعتمل في ثناياها من منغصات، تجعل الإنسان يشعر بالغربة في ذاته، ويحاول الركّون إلى صفاء يأنس فيه لتلك الذات، فإذا كان من بين المحيطين به من يُسرّي عنه لصفاء سريرته، وانتفاء أنانيته، فإن الغالبية منهم تكدّر عليه ذلك الصفاء، وهذا الكتاب أحد ملاذات العزلة المفيدة والوحدة المنيرة للقلوب والتي تجعل العقول تحكم بفضيلة التخلّي، والاكتفاء عن الناس، إن لزم الأمر.
منهج
بدأ ابن حمدون كتابه بالمواعظ والآداب الدينية، وختمه بالأدعية وليجعل له منهجاً منظماً، قسّمة إلى خمسين باباً، وجعل كلّ واحد يحتوي على عدة فصول، ويبدأ كل منها بأدعية دالة على محتوى الباب، ثم يتبعها بآيات من القرآن الكريم، وأحاديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وباستثناء الباب الثامن والأربعين، الذي خُصص للنوادر، فإنه يختم كل باب بطرف ونوادر هزلية.
ولكي يمنح كتابه طابعاً أدبياً خالصاً، كان مُعظم محتواه باستثناء ما جاء في الباب التاسع والأربعين المخصص للتاريخ محتوى أدبياً صرفاً، فتحدث في بعضها عن الأخلاق، كالسخاء والبخل والشجاعة والجبن والوفاء والغدر والصدق والكذب والتواضع والكبر والقناعة والحرص، وكان بعضها مخصصاً لمواضيع أدبية وشعرية، كالمدح والتهنئة والرثاء والهجاء والعتاب والوصف والغزل، في ما خُصص بعضها للآداب والسياسة الدنيوية وما يتصل بهما من أخبار الملوك، والحياة المحيطة بهم وبعضها الآخر لفنون النثر، كالخطابة والكتابة والأمثال، كما ضمّنه أبواباً متنوعة المحتوى وكان في كل ذلك يستغل الشعر بقدر ما يستغل النثر بل وأكثر أحياناً.
وقد وُجِدتْ لهذا الكتاب عدة نسخ وعمل بعض المؤلفين على جعله مرجعاً أساسياً لكتبهم، وتناوله عدد من الباحثين القدماء والمعاصرين في دراسات أدبية وافية، اتّفق فيها معظمهم على حياد المؤلف في ما نقله فيه من مادة، حيث يقدّمها دون أن يحاول توجيه القارئ، تاركاً إيّاه يختار ما يوافقه منها، أو يميل إليه ومما قيل عنه نذكر ما ورد عن ابن الدبيثي في قوله: «يحتوي على فنون، أجاد فيه وأحسن في جمعه»، كما قال ابن خلكان: «إنه من أحسن المجاميع، يشتمل على التاريخ والأدب والنوادر والأشعار، لم يجمع أحد من المتأخرين مثله وهو مشهور بأيدي الناس، كثير الوجود، وهو من الكتب الممتعة»، بينما قال العماد الأصبهاني عن المؤلِّف والكتاب معاً: «فيه فضل ونبل، وله على أهل الأدب ظل وألف كتاباً سماه التذكرة وجمع فيه الغث والسمين والمعرفة والنكرة، وحكايات ذكرها نقلاً عن التواريخ». ومن أشهر طبعات هذا الكتاب المتداولة بين قرائه المعاصرين، طبعة دار صادر في بيروت، التي حققها كل من إحسان عباس وبكر عبّاس.
إضاءة
مؤلف الكتاب أبوالمعالي بهاء الدين محمد بن الحسن بن محمد بن علي بن حمدون البغدادي، المشهور ب«ابن حمدون»، هو شاعر وكاتب، عاش ما بين 495 ه/ 1102م و562 ه/ 1167، ولد في بغداد ونشأ بها في عائلة معروفة بالفضل والرئاسة والرواية والكتابة، فصار أديباً مشهوراً في زمانه، حيث عُرف بالفصاحة والمعرفة التامة بالكتابة والأدب، وبسعة الاطلاع وله شعر قليل جداً، ووصف بأنه كان كريم الأخلاق وشغل وظيفة عارض العسكر للمقتفي لأمر الله، ثم ارتبط بالمستنجد بالله ونادمه، فولّاه ديوان الزمان ولقّبه كافي الكفاة، وبعد أن اطلع المستنجد على بعض الحكايات التي رواها ابن حمدون في كتابه «التذكرة»، اعتقد أن فيها تنقيصاً من أمر الدولة، فقبض عليه وسجنه وظل ابن حمدون في السجن حتى توفي، ولا يعرف له كتاب آخر.