«الحِلْم» صفة من صفات الخالق سبحانه وتعالى، فهو جلَّ شأنه حليم بعباده، وقد وردت هذه الصفة في آيات كثيرة من القرآن الكريم، منها قوله تعالى: «وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا» (الأحزاب: 51)، وقوله سبحانه: «وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ» (البقرة:235)،

وقوله عزَّ وجلَّ: «قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ» (البقرة: 263). ومعنى «حليم»، أنه لا يعجل على عباده بعقوبتهم على ذنوبهم، وأنه سبحانه ذو الصفح والأناة.

من القصص الدالة على حِلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قصة ذهابه صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، لدعوتهم للدخول في الإسلام، بعد أن خذله أهل قريش، وما لاقاه هناك من استهزاء سادة ثقيف وأشرافهم، وإغراء سفهائهم وعبيدهم بسبه صلى الله عليه وسلم، وقذفه بالحجارة، حتى أُدميت قدماه الشريفتان وفاض قلبه ولسانه بالدعاء إلى مولاه: «اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أم إلى قريب ملّكته أمري، إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو يحل عليّ سخطك، لك الحمد حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك».
وما أن استقبلت السماء دعاء الحبيب صلى الله عليه وسلم، فكانت الاستجابة الفورية والتي ترويها السيدة عائشة رضي الله عنها، أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يومٌ أشدّ من يوم أُحُد؟ قال: «لقد لقيتُ من قومِك، وكان أشدَّ ما لقيتُ منهم يومَ العقَبة (مكان في الطائف)، إذ عرضتُ نفسي على ابن عبْد يَالِيل ابن عبد كُلال، فلم يُجبنِي إلى ما أردتُ، فانطلقتُ وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفِق إلا وأنا بقرنِ الثَّعالب، فرفعتُ رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلَّتني، فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام، فناداني فقال: إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك، وما ردُّوا عليك، وقد بعث إليك ملَك الجبال، لتأمره بما شئتَ فيهم، فناداني ملَكُ الجبال فسلَّم عليَّ، ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قولَ قومك لك، وأنا ملَك الجبال، وقد بعثني ربِّي إليك لتأمرني بأمرك، فما شئتَ؟ إن شئتَ أطبقتُ عليهم الأخشبين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابِهم من يعبد اللهَ وحده لا يشرك به شيئًا».
فأي حِلْم هذا، وأي عفو، وأي رحمة تجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يقتص ممن آذوه أشد الإيذاء، بل إنه صلى الله عليه وسلم يأمل في أن يخرج الله من أصلابهم من يوحد الله.
روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قَسَمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم قَسْمًا، فقال رجل: إن هذه القسمة ما أُريد بها وجهُ الله، فأتيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فأخبرتُه، فغضِب حتى رأيت الغضبَ في وجهه، ثم قال: «يرْحَمُ اللهُ موسى، قد أُوذِي بأكثر من هذا فصبَر». وعن أنس بن مالك قال: كنتُ أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليه بُرْدٌ نجراني غليظ الحاشية، فأدرَكَه أعرابيٌّ فجذبه بردائه جذبة شديدة، حتى نظرتُ إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد أثَّرَت بها حاشية البُرد، من شدة جذْبته، ثم قال: يا محمد، مُرْ لي من مال الله الذي عندك، فالتفتَ إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أَمَر له بعطاء. ولا يكتفي الأعرابيُّ بما فعل، وإنما يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: احمِل لي على بعيريَّ هذين مِن مال الله الذي عندك، فإنك لا تحمل لي مِن مالك، ولا مِن مال أبيك. وهنا يتجلى حِلمه صلى الله عليه وسلم، ويقول للأعرابي في هدوء وأناة: «المال مال الله، ويُقاد منك يا أعرابي ما فعلتَ بي»، ويرفض الأعرابيّ أن يقتصَّ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يجذبه كما جذبه، فيبتسم الرسول له، ويأمر أحدَ الصحابة أن يحمل له على بَعيريْه شعيرًا وتمرًا.
وصدق الله العظيم إذ يقول: «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ» (آل عمران: 159).
كان الحِلم من أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقصص والأحاديث الدالة على ذلك كثيرة، منها ما رواه أنس رضي الله عنه، قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: مه، مه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزرموه (أي: لا تقطعوا عليه بوله)، دعوه». قال أنس: فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه فقال له: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن». قال أنس: وأمر صلى الله عليه وسلم رجلاً من القوم فجاء بدلو من ماء فسنَّه (أي: صَبَّه) عليه.