الشارقة: عثمان حسن

برزت أهمية الخط المحقق بوصفه أحد الخطوط القديمة والتي عرفت بالخطوط الكلاسيكية أو الأقلام الستة، وهي: (الكوفي، الرقعة، الديواني، المغربي، النسخ، والثلث) وقيل هي: (المحقق والريحان والثلث والنسخ والرقاع والتوقيع)، وعندما نتحدث عن المحقق فنحن أمام ما يُطلق عليه «خط عربي مصحفي»، تكامل فيه التجويد والتنسيق، وأصبحت الحروف متشابهة والمدّات متنامية وزين بالتنقيط والتشكيل، وتساوت فيه المسافات بين السطور، واستقل كل سطر بحروف.
في اللوحة الخطية التي أمامنا، نقف أمام إبداع بصري ظاهر لسورة البروج، وهو إبداع يتميز بروح التجديد، وقد أنجزها الخطاط الجزائري منير طهراوي خلال مشاركته مؤخراً في معرض دبي الدولي للخط العربي، وأظهرت اللوحة أجمل ما يمكن أن تشاهده العين من التناسق البصري بين حروف هذه السورة، الذي يمكن ملاحظته في كثير من حروفها كما هو في (الواوات) و(الألفات) و(الراءات)، كما تقف عين المشاهد عند تكوين حروفي جميل له صلة بسماكة حروف المحقق، وهي سمة يختص بها المحقق أكثر من غيره من الخطوط، سماكة تبدو مستقيمة وعريضة، فضلاً عن كون حروف المحقق في الغالب لا تتشابه مع بعضها بعضاً، بل لكل حرف ميزة يختص بها عن غيره من حيث الشكل، ما عدا حرفي (الكاف) و(اللام) حيث يتباينان بالعلامة المميزة للكاف.
تكوين
الذي يدقق في التشكيل البصري في هذه السورة، تستوقفه عدة مشاهد من تناسق الحروف، لنا -مثلا- أن نختار حرف (الواو) في السطور الثلاثة الأولى من السورة الكريمة، لنشهد جمالاً بصرياً مشغولاً بحرفية عالية، من حيث امتدادات وتقوسات حرف (الواو) ففي السطر الأول، ورد حرف الواو تسع مرات، وفي السطر الثاني خمس مرات، وفي الثالث ست مرات، حيث تفتن العين وهي تلاحق هذا الحرف الذي تميز بذات السماكة والطول والانحناءات في أغلب الأحيان.
أما (ألف لام ألف) التي ظهرت على نحو متكرر في هذه السورة الكريمة، بلغ أربع مرات، كما هو في كلمة (الأخدود) في السطر الثاني، وكما هو في كلمة (إلا) في السطر الثالث، كما تكرر ذلك في كلمة (الأرض) في السطر الرابع، وفي (الأنهار) في السطر السابع، فقد ظهرت مرسومة في حرفية ظاهرة، حيث في المحقق تتوسط الألف الأولى في (إلا) حرفي (اللام) و(الألف) فيها، في كافة مواقعها في السورة الكريمة، ومن جهة ثانية، فقد حرص الخطاط منير طهراوي أن يشبك بين حروف (إلا) وما قبلها وما بعدها من الحروف، كما هو ظاهر في شبك الألف الثانية منها مع الحرف الذي يتبع في الآية الكريمة كما هو ظاهر في همزة القطع في مبتدأ كلمة (أن) في السطر الثالث، وكما هو ظاهر في تشابك اللام مع حرف الألف في كلمة (تحتها) التي تسبقها في الترتيب، كما هو بارز في السطر السابع من السورة الكريمة.
ولنا أيضاً أن نتابع كثيراً من علامات الجمال التي ظهرت فيها حروف كثيرة في سورة البروج، بما يليق وعظمة هذه السورة وما فيها قدرة ربانية تستحق تمعنها والتوقف عندها، حيث منازل الشمس والقمر، والكواكب المنتظمة في سيرها، على أكمل ترتيب ونظام دال على كمال قدرة الله تعالى ورحمته، وسعة علمه وحكمته.
إضاءة
ولد منير طهراوي في الجزائر العاصمة سنة 1988، وحصل على شهادة الماجستير من كلية الإعلام والاتصال سنة 2014، وكانت بداية اهتمامه بفن الخط على يد أستاذه محمد بحيري، وذلك في عام 2014، حيث درس عنده خط النسخ في «المدرسة العليا للفنون الجميلة» في العاصمة الجزائرية، ثم انتقل بعد ذلك للدراسة عند الخطاط امحمد صفار باني، حيث استقل بذاته وصار يطور نفسه بنفسه، وذلك اعتماداً على أصول وأرشيفات قدامى الخطاطين.
شارك طهراوي في عدة مستبقات دولية ووطنية وحصل على جوائز عدة، وقد عمل مؤخراً كخطاط في المسجد الأعظم في الجزائر العاصمة، وتم اختيار لوحاته الخطية كجداريات في جناح الجزائر (القسنطينة عاصمة الثقافة العربية) للصالون الدولي للكتاب في باريس 2016.