الشارقة: جاكاتي الشيخ
«صبح الأعشى في صناعة الإنشا» للقَلْقَشَنْدِيّ أحد الكتب المشهورة بين الأدباء والكتاب وغيرهم، ويعتبر موسوعة شاملة لجميع العلوم الشرعية، والأدبية، والجغرافية، والتاريخية، وكل ما يرتبط بمهمة كاتب الديوان السلطاني، التي ترتكز في الأساس على معرفة عميقة تؤهله للتعبير عن ما يوكل إليه في أساليب لغوية وإدارية مناسبة.
قضى القَلْقَشَنْدِيّ عشر سنوات في تأليف الكتاب، حيث بدأه سنة 805ه، وفرغ منه في شوال سنة 814ه، ويقول في خطبته الافتتاحية: «الكتابة من أشرف الصنائع وأرفعها، وأربح البضائع وأنفعها، وأفضل المآثر وأغلاها، وآثَرِ الفضائل، لاسيما كتابة الإنشاء، التي هي منها بمنزلة سلطانها، وإنسان عينها بل عين إنسانها، لا تلتفت الملوك إلا إليها، ولا تعوِّل في المهمات إلا عليها، يعظّمون أصحابها، ويقرّبون كُتّابها، فحليفها أبداً خليق بالتقديم، جدير بالتبجيل والتكريم».
يتكون الكتاب من 14 جزءاً، ويتميّز عن غيره من الكتب التي سبقته في المجال، بكونه لم يقتصر مثلها على تعريف مصطلحاته، بل سعى إلى تأصيلها، مُركّزاً على جانب الأسلوب اللغوي في حد ذاته، لما فيه من أهمية للقيام بهذه المهمّة، وما شابهها من الاستخدامات الأدبية للغة، ما جعله أحد المصادر الواسعة التي تتناول مواضيع متعددة، منذ الفترات الأولى للإسلام، وحتى العصر المملوكي، حول أنظمة الحكم، والإدارة، والسياسة، والاقتصاد، والمكتبات، والولايات، والعهود، والعادات، والتقاليد، والملابس، والجغرافيا، وغير ذلك، فكان بحق موسوعة في فن الكتابة للدولة.
رتب القلقشندي الكتاب على مقدمة وعشر مقالات، حيث تتكون المقدمة من خمسة أبواب، تتناول مبادئ تمهيدية، كفضل الكتابة، وصفات الكُتّاب وآدابهم، وفنون الكتابة وأساليبها، وتاريخ الإنشاء، وتطور فنه عبر العصور، وترجيح النثر على الشعر، والتعريف بديوان الإنشاء وأحواله.
أما المقالات فقد خصّصها للخوض في تفاصيل كتابة الإنشاء، حيث تناول في المقالة الأولى ما يحتاج الكاتب إلى معرفته لكي يستطيع إتقان عمله، ومعلومات عن أنواع الأوراق والأحبار، ونبذة عن الخط العربي، وتناول في الثانية المسالك، والممالك، وتنظيمها، فيما تحدث في المقالة الرابعة عن محتوى المكاتبات.
واستعرض في المقالة الخامسة مسألة الولايات وتنظيمها، وفي السادسة تحدث عن الوصايا الدينية، والمسامحات، والإطلاقات، والتواريخ، بينما تناول في السابعة مقدّمات الإقطاعات، وأنواعها، وأصلها في الشرع ونشأتها، وفي الثامنة الأيمان، وفي التاسعة عهود الأمان، والهدن وأنواعها، فيما خصّص المقالة العاشرة لفنون من الكتابة يتداولها الكُتّاب.
أهمية
لأهمية هذا الكتاب قال عنه الحاجي خليفة في «كشف الظنون»: إنه «في صناعة الإنشاء، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا ذكرها، وجعل باباً من أبوابه مخصوصاً بعلم الخط وأدواته».
لم يطبع الكتاب كاملاً في البداية، حيث طبعت ثلاثة من أجزائه السبعة في أكسفورد سنة 1913م بالزنكوغراف، وطبع بعضه في مطبعة بولاق سنة 1323ه، بدار الكتب المصرية، بينما طبع كاملاً ما بين 1331ه و1338ه في مطبعة دار الكتب المصرية أيضاً، ثم طبعته بعد ذلك دار الكتب العلمية في بيروت، عدة مرات، بتحقيق محمد حسين شمس الدين.
وتُرجمت عدة أجزاء منه إلى لغات مختلفة.
إضاءة
المؤلف هو أبو العباس شهاب الدين أحمد بن علي بن أحمد القَلْقَشَنْدِيّ، القاهري الفزاري نسبة إلى قبيلة فزارة الغطفانية العربية، وهو مؤرخ، وأديب، يوضع في مصاف طبقات المؤرخين والأدباء في كل العصور، عاش ما بين 756ه - 1355م و821ه - 1418م، حيث ولد في قرية قلقشندة بمحافظة القليوبية، ودرس في القاهرة والإسكندرية، وبرع في الأدب والفقه الشافعي، وذاع صيته في البلاغة والإنشاء، ما لفت إليه أنظار رجال البلاط المملوكي، فالتحق بديوان الإنشاء في عهد السلطان الظاهر برقوق سنة 791ه، واستمر فيه حتى نهاية عهده، إلا أنه قضى أيامه الأخيرة في عزلة عن المناصب العامة، بيد أنه ظل محتفظاً بمكانة رفيعة في البلاط المملوكي حتى توفي، وله عدة كتب أخرى، منها: «مآثر الإنافة في معرفة الخلافة»، و«نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب»، و«قلائد الجمان في معرفة عرب الزمان»، و«ضوء الصبح المسفر، وجنى الدوح المثمر»، و«الغيوث الهوامع في شرح جامع المختصرات ومختصرات الجوامع».