القبلة هي الجهة التي يولي الإنسان وجهه شطرها في صلاته، وتضمن تحويل القبلة تعظيماً وتشريفاً لأُمة الإسلام بالوسطية والتوفيق إلى قبلة أبي الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه السلام، لتستحق بذلك مكانة الشهادة على جميع الأمم، قال تعالى: «وَكَذَلِكَ ‌جَعَلْنَاكُمْ ‌أُمَّةً ‌وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا». (البقرة: 143)
يذكر حنفي المحلاوي في كتاب «أيام الله» أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن ببعيد عما صورته النفوس المريضة لليهود، وظل هو الآخر صلى الله عليه وسلم يتحين الفرصة لمواجهة هؤلاء الذين بادؤوه بالعداء، وكانت كل أمنياته عليه الصلاة والسلام تدور في البداية في فلك رغبته في أن يتحول المسلمون عن قبلة اليهود في بيت المقدس، وكان يكثر الدعاء والتضرع والابتهال إلى الله عز وجل، فكان يرفع يديه إلى السماء سائلاً ذلك، فأنزل الله عز وجل قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: 144)
يروي ابن كثير أنه بمجرد نزول هذه الآيات خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسلمين وأخبرهم بتحويل القبلة، وكان ذلك في وقت صلاة الظهر. وقال بعضهم: إن تحويلها حدث بين الصلاتين. وثبت في صحيحي البخاري ومسلم أن أول صلاة صلاها الرسول صلى الله عليه وسلم متجهاً إلى الكعبة كانت العصر، لكن لم يصل الخبر للمسلمين في قباء إلا في صلاة الصبح من اليوم التالي. فعن ابن عمر رضي الله عنه قال: «بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها. وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة».
ويوم تغيير القبلة والانفصال عن قبلتهم تجاه بيت المقدس كان تشريفاً من الله تعالى ورحمة منه لرسوله الكريم وللمسلمين أيضاً.. فكانت من أعظم الأيام التى جبر فيها الله سبحانه وتعالى بخاطر الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين ورفع من طاقاتهم الإيمانية والروحية والإيجابية فى قلوبهم ونفوسهم.
كان تحويل القبلة أول نسخ وقع في الإسلام كما يذكر ابن كثير في البداية والنهاية، وكان الله سبحانه وتعالى قد أقر جواز النسخ قبل ذلك في قوله: «مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ». (سورة البقرة: الآية 106)
لم يكن حدث تحويل القبلة هيناً، بل كان اختباراً وامتحاناً للناس، فبينما تقبل بعضهم الأمر بسرعة وسلاسة، فتن بعضهم الآخر، وبينما رضخ بعض المسلمين دون مخاوف، قلق آخرون حول صلواتهم السابقة، ومن مات قبل تحويل القبلة، هل حبطت أعمالهم؟ فيروي ابن عباس رضي الله عنه كما نقل الترمذي عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم حين وجه إلى الكعبة أظهر بعض المسلمين القلق على من لم يكتب الله له شرف الصلاة إلى الكعبة ممن مات قبلهم، وخافوا من حبوط أعمالهم، وقالوا: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله تعالى «وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ». (البقرة: 143)، وهذا الأمر يظهر تكاتف المسلمين واتحادهم وأنهم بمنزلة الجسد الواحد في التسليم لوحي الله سبحانه وشرعه، وفي حرص بعضهم على بعض، حينما خاف بعضهم على إخوانهم الذين ماتوا ولم يدركوا الصلاة إلى المسجد الحرام.