حرص رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على بيان حقوق الجوار، بما فيها الجار المشرك، فقال: «الجيران ثلاثة: جار له حق واحد، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق، فالجار الذي له ثلاثة حقوق الجار المسلم ذو الرحم، فله حق الجوار وحق الإسلام وحق الرحم، وأما الذي له حقان فالجار المسلم، له حق الجوار وحق الإسلام، وأما الذي له حق واحد، فالجار المشرك».
قال الله تعالى: «وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ»(النساء: 36). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مازال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سَيُورِّثه».
على نهج رسول الله وصحابته الكرام، سار السلف الصالح من بعدهم، فهذا أبوحنيفة النعمان كان له جار اسمه أبو حماد، وقد كان جار سوء، حيث كان يشرب الخمر ويغني ويرفع صوته، فأخذه الحرس ليلة وهو سكران، فسجنوه في سجن الوالي. وحينها افتقده أبو حنيفة وفقد صوته، فقال: ما فعل أبو حماد قالوا: حُبِس، قال: ما علمت، فلما أصبح توجه إلى الوالي فخلصه من السجن، ثم قال: يا أبا حماد لم يضيعك جيرانك، وأهداه شيئاً من المال، فتاب إلى الله وصلح حاله.
هذا سهل بن عبد الله التستري، كان له جار مجوسيّ، وكان قد انبثق (اندفع) من كَنِيفه (مِرحاضه) إلى بيت في دار سهل بثق، فكان سهل يضع كل يوم الجَفْنة (وعاء) تحت ذلك البثق، فيجتمع ما يسقط فيه من كنيف المجوسي، ويطرحه بالليل حيث لا يراه أحد، فمكث رحمه الله على هذه الحال زمانًا طويلاً، إلى أن حضرت سهلاً الوفاةُ، فاستدعى جاره المجوسي، وقال له: ادخل ذلك البيت وانظر ما فيه، فدخل فرأى ذلك البثق، والقذر يسقط منه في الجفنة، فقال: ما هذا الذي أرى؟ قال سهل: هذا منذ زمان طويل يسقط من دارك إلى هذا البيت، وأنا أتلقاه بالنهار، وألقيه بالليل، ولولا أنه حضرني أجلي، وأنا أخاف ألَّا تتسع أخلاق غيري لذلك، وإلا، لم أخبرك، فافعل ما ترى، فقال المجوسي: أيها الشيخ، أنت تعاملني بهذه المعاملة منذ زمان طويل، وأنا مقيم على كفري؟ مُدَّ يدك، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم مات سهل، رحمه الله.
حذَّر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من إيذاء الجار، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: «إن فلانة تصوم النهار وتقوم الليل وتؤذي جيرانها بلسانها». قال:«لا خير فيها، هي في النار». قيل: «فإن فلانة تصلي المكتوبة، وتصوم رمضان، وتتصدق بأثوار من أقط (أي: تتصدق بالقليل من مخيض لبن الأغنام)، ولا تؤذي جيرانها. قال: هي في الجنة».
كان صحابة رسول الله، من أحرص الناس على إكرام الجار، حتى وإن كان غير مسلم، فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، «أنه ذُبحت له شاة في أهله، فلما جاء قال: أهديتم لجارنا اليهودي؟ أهديتم لجارنا اليهودي؟»، قلنا: لا، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «مازال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه».
هذه قصة الصحابي الجليل أبي جهم العدوي مع جاره سعيد بن العاص، والتي يُضرب بها المثل في حُسن الجوار، حيث أراد أبو جهم العدوي، رضي الله عنه أن يبيع داره، فتزايد الناس بالثمن حتى عرضت عليه مئة ألف درهم، فقال: هذا ثمن الدار، فبكم تشترون جوار سعيد بن العاص؟ فأنكر عليه أحدهم قائلاً: وهل يُشترى الجوار؟ فقال: نعم. ثم قال لهم: ردوا عليّ داري وخذوا مالكم، ما أدع جوار رجل إن قعدت سأل عني، وإن رآني رحّب بي، وإن غِبْت حفظني، وإن شهدت قرّبني، وإن سألته قضى حاجتي، وإن لم أسأله بدأني، وإن نابتني جائحة فرّج عني. فبلغ ذلك جاره سعيد بن العاص فبعث إليه بمئة ألف درهم.