يفتتح فتحي المسكيني ترجمته لكتاب «آلان باديو على لسان آلان باديو» بقوله: «إن الفلسفة اليوم مهجورة» وهذا ما ينبهنا إليه باديو (17 يناير 1937) منذ فاتحة كتابه الأساسي الأول «نظرية الذات» الذي نشره سنة 1982، لقد تم التخلي عنها لأن العالم لم تعد له طموحات كبيرة حول نفسه».
لا يكتب الفيلسوف لأنه وحيد بل بالأحرى لأنه مفرط في الأصدقاء ورفقاء الطريق، لكن ذلك لا يجعلنا نرى العالم بطريقة أسهل«إن العالم الواقعي لا يدرك إلا نادراً» بقي أن نبحث عن سبب آخر للكتابة، يكون أكثر حميمية، لماذا يكتب الفلاسفة؟.
قال باديو:«أن نكتب في ضوء ما لا نريد أن نكونه مهما كان الثمن هو بلا ريب أمر أكثر إفادة من أن نكتب تحت الصورة المريبة لما نرغب في أن نصير عليه «يشير هذا التنبيه من جهة صامتة إلى هذا: الفيلسوف ليس هوية لأحد، ولا أحد يحق له أن يتكلم باسمه، وذلك فقط لأن الحقيقة لا يجدر بها أن تكون سياسة هوية، ومن المفيد عندئذ أن نكتب ضد أنفسنا، وضد ما يراد لنا أن نكون منذ وقت طويل، كل إرادة هوية هي وجهة حزينة لا تليق بالفيلسوف، ومن الحقيق به أن يكتب في ضوء ما لا يريد أن يكون، وهذه مهمة لطيفة للفلسفة في أي مكان.
الفلسفة - كما يرى باديو – لا تهمها الاختلافات الثقافية بل هي لا تبني من الحقيقة إلا بقدر ما تهمل من الاختلافات، دور الفكر الحقيقي هو أن يطيح بالاختلافات، أن ينجح في جعلها بلا أهمية أو بلا دلالة، يقول باديو:«وحدها حقيقة بما هي كذلك، هي غير مبالية بالاختلافات، وذلك يعني أن الحقيقة هي نفسها بالنسبة إلى الجميع».
ثمة ما يشبه الخدعة في دعوى الاختلاف هي أن الغربي الذي يدافع عن حق الاختلاف هو – حسب باديو – مرعوب من أي اختلاف، يرسم حدود ادعائه حول نفسه، لذلك هو لا يقبل الآخر إلا إذا كان الآخر جيداً، وهو ما يعني أن يكون «هو مثلنا، أي أن يكون ديمقراطياً – برلمانياً مؤيداً لاقتصاد السوق، مسانداً لحرية الرأي، نسوياً، مناصراً للبيئة ».
وهكذا لا يمكن إدماج المهاجرين إلا إذا ألغوا اختلافاتهم، وصاروا منا، ومن ثم نكتشف أنه لا معنى لأطروحة الاعتراف بالآخر، مادام الاختلاف معه لن يحترم إلا عندما تكون آخريته بيضاء، أو عندما يكون قد فقد كل قوة الاختلاف، التي تميزه، وصار جزءاً من بضاعتنا.
يشير المترجم فتحي المسكيني إلى أن باديو كتب عدة مسرحيات بطلها كان يسمى أحمد، ويمثل شخصية مهاجر عربي من أصل جزائري يطلق عليه باديو اسم «البروليتاري الآتي من الجنوب» وعناوين تلك المسرحيات، حيث يعرف باديو نفسه بوصفه أفلاطونياً هي: أحمد الذكي، وأحمد الفيلسوف، وأحمد يغضب، وأحمد يعود.
قال: «أحمد كان بالنسبة لي اسماً يشير إلى طفولة، إلى وحدة، إلى سياسة وإلى صدفة ما» وهو يستعمله بوصفه «شخصية قطرية»: كيف يفجر ضحكاً من الشك والقلق ليس له مع العالم الذي يصفه أي قاسم مشترك، لقد حول «المهاجر» إلى قناع كوميدي يفضح المجتمع الفرنسي من الداخل، هو يجسد كيف يصبح العالم مزحة، خدعة، مقلباً؟
المهاجر المواطن الشبح غير المرئي المحتقر، هو يملك الواقع، لأنه يملك اللغة التي تقوله، فهو يملك اللغة الفرنسية، ليس لأنها لغته القومية، بل فقط لأنها لغة الوضعية التي صنعت له، وبهذا هو قد صار فيلسوفاً ويريد أن يعلم الفلسفة للأطفال من أجل محاكمة العالم، طالما أنه لا أحد يقوم بذلك.
لكن ماذا قالت الفلسفة بما هي كذلك على لسان باديو؟ في سنة 1988 حاول باديو ضمن المجلد الأول من«الكينونة والحدث» أن يبني فلسفة تعيد طرح مسألة الكينونة في طريق لم يمش فيها هيدجر: بدلا من «الشعر» اختار باديو أن يعيد امتحان معنى الكينونة في لغة الرياضيات في لحظة محددة من تاريخها: نظرية المجموعات وهو ما أفضى إلى بلورة مقاربة طريفة عن أنطولوجيا الكثرة.
إقصاء الحدث
يرى أن دور الفلسفة هو أن تفتح من خلال الذات على شيء مختلف عن الكائن الرياضي، وذلك يعني على ما يسميه باديو الحدث إن الرياضيات تقوم على إقصاء الحدث، والحال أن الحدث هو الذي يمكن من إنتاج الحقائق تحت تدابير نوعية يحصيها باديو في أربعة: العلم والسياسة والفن والحب.
يفترض باديو أن الفلسفة لا تنتج أي معرفة، وإن كانت مفتونة بمطاردة الحقائق، إن فتنة الحقيقة هي ما يميز بين مهنة العالم حيث عليه أن يعيد العالم إلى مكانه بواسطة المعرفة وبين نضال الفيلسوف الذي يطمح إلى تغييره بلا رجعة بواسطة حقيقة لم تخطر على بال أحد إلى الآن.
آلان باديو فيلسوف وروائي ومسرحي فرنسي من مواليد المغرب، وأستاذ فخري في المدرسة العليا للأساتذة، ترجمت كتبه إلى لغات عدة، ويعد من أبرز وجوه الفلسفة في عصرنا الحاضر، وهو ابن عالم رياضيات كان عضواً عاملاً في المقاومة الفرنسية خلال الحرب العالمية الثانية.