تعد الأحلام من أهم الأمور التي شغلت الفكر البشري، على مر العصور، فقد تبارى في فهمها جميع البشر منذ القدم، سواء كانوا كهنة أو عرافين أو مفسّرين، أو حتى علماء نفس وفلاسفة، فكل منهم اجتهد اجتهاداً كبيراً لكي يقف على ماهيّتها، وكان لعلماء اللغة والأنثروبولوجيا بصمات لا يمكن إنكارها. تتناول دعاء حسن البالكي في كتابها الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بعنوان «سيميولوجيا سرد الأحلام في التراث الأدبي» الأحلام في اللغة والتراث البشري وأهميتها، والأفكار التي دارت حولها، والحديث عن ماهيتها، فالأحلام لم تقتصر على فئة معينة أو عصر معين، فقد شغلت بال الكثيرين فحاولوا إيجاد تعريف لها على مر الحضارات والثقافات.
الأحلام في الحضارة اليونانية تعني «التحريك والتنبيه»
قد لوحظ الخلط والتداخل بين النص الحلمي والرؤيا في أحيان، والتفرقة بينهما في أحيان أخرى، فمثلاً نجد أن الكلمة الدالة على الحلم والرؤيا، تعني في الحضارة اليونانية «التحريك والتنبيه» وذلك لأنها تحرك النفس وتنبّهها، كما أن أغلب الحضارات تعاملت مع الأحلام من ذلك المنطق. وعندما نصل إلى الحضارة العربية نجد أن لها تعريفات، وجدت في كتب عربية، ومع ذلك تكاد تتفق كل التعريفات على شيء واحد هو أن تلك الأحلام هي ما يراه الشخص أثناء نومه.
اختلفت الشعوب في نظرتها إلى الأحلام على مر العصور، فقد رأتها بعض الشعوب منفذاً إلى الملكوت الآخر، ورآها آخرون تعبيراً عن خلجات النفس وأعضاء الجسد، وقد حظيت الأحلام لدى أفراد القبائل البدائية بمكانة كبيرة، إذ أقاموا لها طقوساً امتدت أياماً وأسابيع، وذلك حسب طبيعة الأحلام التي توافرت لديهم خلال السنة، ذلك أنهم استخدموها في صياغة حياتهم السياسية ومعرفة مستقبلهم.
تعتقد قبائل الإسكيمو وبعض القبائل في ماليزيا أن الروح تغادر الجسد أثناء النوم لتعيش في عالم آخر هو عالم الأحلام، ويحذرون من خطر إيقاظ الشخص فجأة، لأن الروح – حسب اعتقادهم – تحتاج إلى وقت لكي تعود إلى الجسد، فإن حدث إيقاظ مفاجئ، فقد تتعثر تلك الروح ولا تستطيع العودة إلى الجسد نهائياً وإلى الأبد.
بالانتقال إلى الحضارة الآشورية والبابلية والسومرية، نجد أن الأحلام تحدث بفعل أرواح شريرة تتصل بالآدميين أثناء نومهم، أما الإغريق فكان إله الأحلام يرسل تحذيرات ونبوءات إلى الناس، ونظر الهنود القدامى إلى الأحلام بوصفها عالماً أكثر دقة من اليقظة، إذ إنها تقع بين عالم المعرفة وعالم ما وراء المعرفة.
كان الصينيون يرون أن الأحلام تصدر عن عالم آخر غير عالمنا، إذ تنتقل الروح إلى العالم الآخر للتعلم، ولكي تصبح أكثر تهذيباً، فهي ترى ما لم تستطع رؤيته في اليقظة، ومن ثم تصل تلك الروح إلى السموّ، ويرى اليابانيون أنها تأتي لتساعد الناس على تدبير أمور حياتهم.
انفعالات مكبوتة
بالنسبة لأرسطو فإنه اعتقد أن الأحلام تنبئ عن وجود مرض لم يظهر بعد على الإنسان، إذ رأى أن العقل ينفصل عن الجسد أثناء النوم، ومن ثم تكون له قدرة فائقة على الشعور بمواطن الألم التي يعانيها الجسد في حالة يقظته، أما أفلاطون فيرى عكس ذلك، إذ يراها تعبيراً عن انفعالات مكبوتة أثناء اليقظة، بالإضافة إلى رفضه كون الأحلام رسائل إلهية، بل تتأثر بمواقع النجوم والأفلاك.
أما في الفكر المسيحي فقد اعتقد مفسرو الأحلام قديماً أنها رسائل من السماء، وقد تضمن كتاب «القديس أوغسطين والقديس جون» أحلاماً كثيرة تدل على ذلك، لكن القديس جيروم نقد ذلك، وعدّها ذات طبيعة شيطانية، ولم تقتصر الأحلام على نظرة أو اعتقاد معين في تفسيرها.
بل كان لها دور في التاريخ البشري، وصياغته وتطور الحياة البشرية، فنجد أن الإسكندر فتح مدينة «ساتيروس» بسبب حلم رآه، وفسره له أرسطو بأن تلك المدينة لن تقاوم، ففتحها الإسكندر دون عناء.
قيل إن يوليوس قيصر توفي نتيجة لعدم اهتمامه بحلم رأته زوجته بأنه سيغتال أثناء حربه، فلم يعرها أدنى اهتمام، وشن هجومه ومات، في حين أن نابليون بونابرت كان يستعين بأحلامه لتنفيذ خططه العسكرية، كما استطاع بسمارك توحيد ألمانيا من خلال تنفيذه لخطة رآها في المنام، ومن خلال ذلك كله تتضح أهمية الأحلام في صياغة التاريخ الإنساني، إذ أسهمت إلى حد كبير في تغيير كثير من الأوضاع السياسية.
الأحلام والاختراعات
وأسهمت الأحلام كذلك في تطوير كثير من الاختراعات التي طورت الحياة البشرية، فعلى سبيل المثال «إلياس ها» مخترع ماكينة الخياطة رأى في منامه أن بعض الناس يطلقون أنواعاً غريبة من الرماح، ويوجد في رأس كل رمح ثقب، فكان ذلك الحلم بمنزلة حل لمشكلة واجهته أثناء اختراعه، ألا وهي مكان وضع الثقب في إبرة الخياطة.
واستطاع فريدريك كيكولي في منامه أن يدرك تكوين مادة البنزين التي طالما شغلت تفكيره، إذ اكتشف أن الدائرة المغلقة هي أساس تكوين البنزين، ما أسهم بشكل كبير في مجال الكيمياء العضوية.