الإمارات العربية المتحدة يدها ممدودة دائماً بالخير، حيث كانت هناك حاجة، وحيث كان هناك ذوو حاجات، نازحون كانوا أو لاجئون، وحتى في الملمات الطارئة طبيعية كانت أم صحية تجدها تهب لنجدة المحتاجين. هذه مسألة مبدأ عند الإمارات ارتضته وطبقته طوال سنوات دون أن تنظر إلى لغة أو دين أو عرق من يستفيد من المساعدات، ولا حتى إلى التوجهات السياسية للدولة التي تتوجه إليها مساعدات الإمارات. فما يراعى «في المقام الأول الجانب الإنساني الذي يتمثل في احتياجات الشعوب». وهذا نهج متأصل في السياسة الخارجية الإماراتية، عكسته الوثائق الرسمية والممارسات على أرض الواقع.

من أحدث الوثائق على هذا الصعيد مبادئ الخمسين التي صدرت في سبتمبر من العام 2021 وأعاد بندها التاسع التأكيد على تلك الثوابت المشار إليها. واللافت للنظر أن هذا البند قد اختتم بعبارة شديدة الدلالة في الحالة السودانية موضع التركيز هنا «والاختلاف السياسي مع أي دولة لا يبرر عدم إغاثتها في الكوارث والطوارئ والأزمات».

عطاء ممتد

إن الحديث عن المساعدات الإنسانية الإماراتية للسودان ليس وليد تلك الحرب اللعينة التي خلفت الملايين من اللاجئين والنازحين، وتسببت في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية بحسب تقييمات الكثير من المؤسسات الدولية. ويبدو أن الكلمات التي قالها رئيس وفد الهلال الأحمر إلى السودان مع أولى رحلات الجسر الجوي الإغاثي الإماراتي في أغسطس من العام 2022 عقب الفيضانات والسيول التي ضربت مناطق سودانية وتسببت في خسائر مادية وبشرية كبيرة هي خير تعبير عن ذلك النهج الإماراتي تجاه السودان الشقيق حيث اعتبر أن تلك «المساعدات الإغاثية الإماراتية للأسر المتضررة من الشعب السوداني الشقيق تجسد عمق العلاقات الأخوية بين البلدين الشقيقين انطلاقاً من قيم ومبادئ الإمارات الراسخة في تعزيز الاستجابة الإنسانية الطارئة والتضامن الإنساني مع الأشقاء في ظل الظروف الصعبة التي يمرون بها وذلك بهدف تخفيف وطأة المعاناة عن كاهل الأسر السودانية وتحسين حياتهم المعيشية». وفي حينه كان عدد المستفيدين من المساعدات حوالي 140 ألفاً ممن تأثروا بالسيول والفيضانات، حيث كانت المساعدات تتضمن 120 طناً من مواد الإيواء، و28 ألف طرد من مواد الإغاثة، فضلاً عن 10 آلاف خيمة.

وعلى سبيل المثال فإن مؤسسة إماراتية واحدة هي مؤسسة خليفة بن زايد آل نهيان للأعمال الإنسانية قد استفاد من مساعداتها أكثر من 5 ملايين سوداني منذ انطلاق المؤسسة في العام 2007 وحتى العام 2022 فقط. وبعد أسبوعين فقط من اندلاع الحرب في السودان أرسلت المؤسسة وهيئة الهلال الأحمر طائرة محملة بالإمدادات الغذائية الطارئة للاجئين السودانيين على الحدود مع تشاد. وقد جاء ذلك «انطلاقاً من حرص دولة الإمارات على المشاركة بفاعلية في جهود الإغاثة الدولية في ضوء توجيهات القيادة الرشيدة بتقديم الدعم والمساندة للأشقاء السودانيين، وانسجاماً مع نهج دولة الإمارات حكومة وشعباً في الوقوف إلى جانب دول العالم وشعوبها وقت الحاجة».

بعد اندلاع النزاع في السودان بأيام اتخذت الإمارات «عدداً من الخطوات الملموسة لتخفيف الوضع الإنساني على الأرض وتقديم الدعم لكل من يطلبون الإجلاء»، وأعلنت «كإجراء فوري» عن تقديم معونات إنسانية عاجلة قيمتها 50 مليون دولار. وقد تواصل المدد الإماراتي الإنساني، وعلى سبيل المثال فإنه حتى منتصف شهر يونيو من العام 2024، أي بعد مرور أربعة عشر شهراً على النزاع المسلح فإن دولة الإمارات كانت قد قدمت خلال هذه الفترة «130 مليون دولار لدعم الاستجابة الإنسانية و9500 طن من الإمدادات الغذائية والطبية عبر تسيير 148 طائرة إمدادات إغاثية، إضافة إلى سفينة حملت على متنها 1000 طن من المستلزمات الإغاثية العاجلة».

وفي إطار الحرص الإماراتي على إيلاء الاهتمام بالفئات الضعيفة مثل النساء والأطفال خاصة من اللاجئين، فقد وقعت الإمارات مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) في نهاية شهر أغسطس من العام 2024 اتفاقاً يقضي بتقديم الدولة 6 ملايين دولار تخصص لعمليات المنظمة الدولية في السودان.

يد ممدودة رغم الادعاءات

رغم هذا النهج الإماراتي المتواصل في دعم الأشقاء في السودان وخارجه، ظهرت ادعاءات بخصوص ما يتم القيام به، وخاصة جهود الهلال الأحمر الإماراتي في تشاد، وتحديداً ما يتعلق بالمستشفى الميداني في أمد جراس.

وقد تصدى الهلال الأحمر لتفنيد تلك الادعاءات، مؤكداً على مجموعة من النقاط من أبرزها أن المستشفى المذكور قد تم إنشاؤه في تشاد بعد شهرين من اندلاع النزاع المسلح، في ظل رفض سوداني لطلب إنشاء مستشفى ميداني على الأراضي السودانية. وأن المستشفى يعالج تشاديين كما يعالج السودانيين، وأنه مع تقديم العلاج يقوم بإجراء العمليات الجراحية. وقد اعتبر الهلال الأحمر أن «هذه المزاعم التي لا أساس لها من الصحة والباطلة هي ادعاءات مؤسفة وتعرض سلامة موظفينا ومرافقنا الإنسانية للخطر، وخاصة أننا نعمل في مناطق نزاعات مسلحة. كما أن مثل هذه الادعاءات تعرض إمكاناتنا على تقديم المساعدات الحيوية لمن هم في أمس الحاجة إليها للخطر».

ستبقى الإمارات تمد يد العون للشعب السوداني في ظل نهج متكامل يؤكد على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، والدخول في عملية سياسية، تفضي إلى حكم مدني، ومن ثم يستأنف الشعب السوداني الشقيق مساره بعدما يلملم جراحه لعملية التنمية.

إغاثة مستمرة للاجئين السودانيين في تشاد

لم يقتصر العون الإماراتي على الداخل السوداني، وإنما ذهب إلى اللاجئين السودانيين في الدول المجاورة مثل تشاد وجنوب السودان، حيث تم تسيير طائرة محملة ب100 طن إلى اللاجئين في جنوب السودان، وكان ذلك عبر برنامج الأغذية العالمي.

وبعد مرور ستة عشر شهراً على اندلاع الحرب كانت الإمارات قد قدمت مساعدات إنسانية فعلية بقيمة نحو 200 مليون دولار، فضلاً عن 30 أخرى كانت في طريقها إلى الوصول إلى المحتاجين خلال فترة وجيزة، كما عولج أكثر من 45 ألف مريض في مستشفيين ميدانيين أقامتهما الدولة في تشاد. وقد بلغ عدد الطائرات المحملة بمواد الإغاثة خلال هذه الفترة 159 طائرة، حملت أكثر من 10 آلاف طن مستلزمات طبية ومواد غذائية وإمدادات إغاثية.

تواصل زخم المساعدات الإماراتية جعل إجمالي تلك المساعدات يصل إلى 600 مليون دولار ذهبت إلى السودان والدول المجاورة تنسيقاً مع الوكالات الدولية المعنية خلال عامين من النزاع المسلح. وقد كان هناك حرص إماراتي على أن توزع المساعدات «بشكل حيادي ودون تمييز وفقاً للاحتياجات الإنسانية»، مع تأكيد التزام الدولة «الراسخ بدعم الشعب السوداني الشقيق والعمل مع الشركاء الدوليين لتخفيف المعاناة عنه».

تقدير أممي للدعم الإماراتي المنقذ للحياة

تحرص دولة الإمارات، إلى جانب ما تقوم به هيئاتها الإنسانية، على التعاون مع المؤسسات الدولية المعنية بشؤون الإغاثة في السودان. وهذا ما يقدره كثيراً المجتمع الدولي ممثلاً في القائمين على تلك المؤسسات الدولية، ومن ذلك على سبيل المثال ما قاله وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ السابق مارتن غريفيث، بعدما كانت الإمارات قد قدمت بالفعل 70% من تعهدها بتخصيص مائة مليون دولار للسودان في المؤتمر الدولي الإنساني بخصوص السودان الذي عقد في باريس منتصف شهر إبريل 2024 بعد فترة وجيزة من تقديم التعهد لم تزد على الشهرين، حيث قال في منتصف يونيو من نفس العام «نحن ممتنون للغاية لحكومة وشعب دولة الإمارات على هذا الدعم السخي والبالغ 70 مليون دولار أمريكي للمساعدة في إغاثة شعب السودان من خلال الأمم المتحدة. وبهذه المساهمة يمكننا تعزيز الدعم المنقذ للحياة للعائلات والمجتمعات المحاصرة من جراء الأزمة الإنسانية غير المسبوقة في السودان. إن دعمكم وتضامنكم يجسدان أهمية التعاون العالمي في إحداث تغيير ملموس في حياة الفئات الأكثر ضعفاً».

هذه الهمة الإماراتية في الوفاء بالجزء الأكبر مما تعهدت به في تلك الفترة الوجيزة يأتي في الوقت الذي تشتكي فيه المؤسسات الدولية من معاناتها جراء عدم وفاء الكثير من الدول بتعهداتها، ما يعرّض أنشطتها الإغاثية إلى التأثر سلباً بذلك.