«من القرصنة والسطو المسلح والاتجار والجريمة المنظمة، إلى الأعمال المدمرة ضد الشحن والمنشآت البحرية والبنية التحتية الحيوية، وصولاً إلى الإرهاب في المجال البحري، الذي يشكل تهديداً كبيراً للأمن الدولي والتجارة العالمية والاستقرار الاقتصادي، لا توجد منطقة بمنأى عن هذه المخاطر والمشكلة تزداد سوءاً».. بهذه الكلمات لخص الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش التحديات التي تواجه الأمن البحري العالمي، الذي كان موضع مناقشة في مجلس الأمن الدولي مؤخراً.
هذا النقاش ليس بالجديد، خاصة في ظل ما تشهده محيطات وبحار العالم من مستويات تلوث عالية، بعضها بات يشكل معضلة كبيرة مثل التلوث بالمواد البلاستيكية، كما أن هذه البحار والمحيطات لم تعد مجرد مسارات لخطوط النقل الأرخص في العالم، ومن ثم فإن تأثير ظواهر من قبيل القرصنة والصراعات المسلحة تؤثر فيها بقوة، وإنما باتت قيعان المحيطات والبحار مسارات لخطوط التواصل الرقمي بين أطراف العالم المختلفة، ناهيك عن أنابيب نقل مصادر الطاقة وعلى رأسها الغاز الطبيعي. كما برزت تحديات أخرى من قبيل ما طرحته بعض الدول من إمكانية القيام بتعدين وتخزين المعادن النادرة البحرية، وهو ما اعتبرته بعض الدول مخالفاً لقواعد القانون الدولي على هذا الصعيد.
من الواضح أن تهديدات الأمن البحري العالمي لم تعد تقليدية فقط، وإنما باتت هناك تهديدات مستجدة أو «ناشئة»، على حد تعبير غوتيريش، الذي ذهب إلى أنه مع انتفاء الأمن البحري لا يمكن أن يكون هناك أمن عالمي. وطالما كان الأمن البحري بهذه الأهمية فهو موضع اهتمام من قبل مجلس الأمن الدولي، لكن هناك من يرى أن المجلس لم يقم بدوره على صعيد التعامل مع تهديدات الأمن البحري، حيث إن طريقة تعامله مع هذه التهديدات كانت «غير منهجية» على حد قول الباحث في معهد الأمم المتحدة لبحوث نزع السلاح كريستيان بويجر، الذي أضاف إلى التهديدات «انتشار أنظمة الأسلحة ذاتية التشغيل، والألغام البحرية، وتهديدات الأمن السيبراني البحري، والشحن غير المستوفي للمعايير المرتبط بالتهرب من العقوبات، والحاجة إلى حماية البنى التحتية البحرية الحيوية مثل كابلات الإنترنت أو منصات الطاقة الخضراء».
من الناحية القانونية هناك قواعد دولية واضحة، لكن تبقى المسألة مرتبطة بالتطبيق الفعلي. ولعل هذا ما جعل غوتيريش يضع على رأس الإجراءات الواجب اتخاذها احترام القانون الدولي، ففي الوقت الذي تتحدث فيه دول كثيرة عن الأمن البحري، وما تمثله دول أخرى لهذا الأمن من تهديد تجد أن بعضها لم تصادق بعد على اتفاقية القانون الدولي للبحار المقرة منذ عام 1982.
وتسارع الشريحة الثانية بالقول بأن تهديدات هذا الأمن تأتي من قبل الشريحة الأولى التي تصر على تكثيف وجودها العسكري بما في ذلك مرور قطعها البحرية بطرق مستفزة، والتدخل في الخلافات البحرية الإقليمية التي توجد قواعد متفق عليها لتسويتها طبقاً لها. والمثال الأبرز لذلك خلافات بحر الصين الجنوبي، الذي بات بنداً دائماً في السنوات الأخيرة على بيانات مجموعة السبع، وبات هذا الأمر موضع خلاف دائم بين الصين وأعضاء تلك المجموعة، لذلك تحتاج الدول الكبرى إلى تنحية المناكفات من أجل المحافظة على أمن بحري أكثر استدامة.