د. أيمن سمير
ترنو العيون إلى النتائج التي يمكن أن تُسفر عنها الجولة القادمة من المفاوضات المباشرة بين روسيا وأوكرانيا، في ظل نجاح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في دفع موسكو وكييف لإجراء أول مفاوضات مباشرة في إسطنبول، بعد أكثر من 3 سنوات من آخر جولة مفاوضات بين روسيا وأوكرانيا، والتي جرت أيضاً في إسطنبول في مارس/آذار 2022، وتوّج لقاء إسطنبول بالاتفاق على تبادل نحو 1000 أسير من كل جانب، والاتفاق على تقديم كل طرف نصاً لمعاهدة السلام المستقبلية، وهو أمر أكدت كلٌّ من كييف وموسكو أنه يسير مع أوكرانيا بوتيرة سريعة.
وبرغم جبال الشك وعدم اليقين التي يرمي بها كل طرف الطرف الآخر، فإن كل الحسابات والمعادلات تقول بحاجة الطرفين للسلام ووقف الحرب، بعد عدم قدرة روسيا على تحقيق أهدافها العسكرية عبر «حرب خاطفة أو سريعة»، فالحرب مستمرة من دون تحقيق الأهداف العسكرية منذ أكثر من 3 سنوات، بعد أن كان الاعتقاد بأنها سوف تستمر 3 أسابيع فقط، كما أن أوكرانيا، وبدعم أكثر من 50 دولة لم تنجح أيضاً بقوة السلاح في العودة إلى حدود 1991 مع روسيا، كما أن كل محاولاتها العسكرية ومنها «الهجوم المضاد» في يونيو/حزيران 2023 لم تأتِ بأي نتيجة، وهو ما يؤكد أن المسار السياسي والدبلوماسي هو فقط الخيار الوحيد ليس فقط لوقف الحرب، بل لصناعة «نموذج من السلام والاستقرار» في شرق أوروبا يمنع تكرار هذه الحرب مرة أخرى عبر معالجة «جذور الأزمة»، وتحقيق مصالحة تاريخية «تمسح الدموع» «وتبني الثقة» من جديد بين شعبين ظلا يعيشان في دولة واحدة لأكثر من 50 عاماً.

برغم احتياج كلٍّ من روسيا وأوكرانيا للسلام وإنهاء الحرب فإن الجميع يدرك وجود تحديات وأشواك كثيرة في طريق الوصول الى اتفاق سريع لوقف الحرب.
من يراجع تصريحات ومواقف الطرفين يتأكد له أنهما يتمسكان «بالحلول الصفرية»، حيث يسعى كل طرف للحصول على كل شيء، وينكر على الطرف الآخر أي شيء، وكل ما جرى في إسطنبول أو حتى ما سوف يتم من مفاوضات متوقعة منتصف شهر يونيو القادم لن يتعدّى ما يسمّى في علم المفاوضات «بالعروض الافتتاحية»، حيث يعرض كل طرف أعلى سقف من المطالب، ويكون متشدداً للغاية، ويظهر نفسه بأنه الطرف الأقوى على الأرض، وأن الطرف الآخر هو من يجب عليه التنازل، وهنا يكون دور الوسطاء الذين يمهدون الطريق لتحرك الطرفين من محطة «العروض الافتتاحية» و«السقوف العالية» إلى «المساحات المشتركة» التي يمكن أن تحفظ ماء وجه الجميع، ويستطيع أن يفسرها كل طرف باعتبارها انتصاراً حاسماً له، واستجابة كاملة لمطالبه، فما هي العقبات التي تحول دون تحقيق قفزة كبيرة ونتائج سريعة في المفاوضات بين كييف وموسكو؟ وكيف يمكن لروسيا وأوكرانيا أن تتجاوزا تلك العقبات؟ وإذا كان الموقف الأمريكي داعماً وبقوة لوقف الحرب، فهل الخطوات الأوروبية الميدانية والسياسية الداعمة لأوكرانيا سوف تكون محفزة للسلام ووقف الحرب أم يصاب البيت الأبيض باليأس، وينسحب من رعاية المفاوضات وتستمر الحرب؟
الحسابات الروسية
ترى روسيا فرصة كبيرة في الإدارة الأمريكية الحالية والظروف الجيوسياسية الجديدة التي ظهرت مع عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للبيت الأبيض، ولهذا فإن هناك قناعة بأن روسيا لا يمكن أن تفوّت هذه الفرصة لوقف الحرب وإحلال السلام، لكن في ذات الوقت تتمسك روسيا بسلسلة من المحددات والمطالب التي تحتاج إلى معالجة إبداعية من الوسيط الأمريكي، وهذه الحسابات هي:
أولاً: الحلول المتعجلة
يربط المسؤولون الروس تأنّي موسكو في التعاطي مع «عاصفة الأمل» التي يتحدث بها ترامب إلى أن روسيا لا تريد «حلولاً متعجلة أو اتفاقيات ناقصة»، لأن هدفها هو «معالجة جذور الأزمة»، ومن وجهة النظر الروسية بدون هذه المعالجة الجذرية سوف يعود البلدان للحرب من جديد، ودائماً ما تقصد موسكو بمعالجة جذور الأزمة تلك المشكلات التي نتجت عن تفكك الاتحاد السوفييتي السابق، والتعامل غير اللائق من وجهة نظرها مع الفئات الروسية التي ظلت بعد تفكك الاتحاد السوفييتي في دول أوروبا الشرقية، وإصرار حلف «الناتو» على التوسع شرقاً، ومحاولة تغيير توجهات المواطنين من الولاء والتعاون مع روسيا إلى التوجه نحو النموذج الغربي، وأدى هذا الأمر إلى ما سُمّي «بالثورة الوردية» في جورجيا عام 2003، و«الثورة البرتقالية» في أوكرانيا عام 2005، وهو ما قاد لاحقاً للحرب الروسية الجورجية عام 2008، وبداية الحرب الروسية الأوكرانية في 24 فبراير/شباط 2022، ولهذا طرحت روسيا في مفاوضات إسطنبول رغبتها في إنهاء تلك المشاكل من جذورها حتى لا تندلع الخلافات من جديد بين الناطقين بالروسية والناطقين بالأوكرانية، وتسعى روسيا بعد ذلك باعتماد هذه المعايير الجديدة للتعامل مع الناطقين الروس في أوكرانيا باعتبارها نموذجاً يمكن البناء والقياس عليه مع كل الأقليات الروسية في الدول الأوروبية المجاورة لروسيا.

ويرتبط بجذور المشكلة أيضاً توسع حلف «الناتو» تجاه الأراضي الروسية في 5 موجات كان آخرها انضمام فنلندا إلى «الناتو» في إبريل 2023، بينما أصبحت السويد رسمياً العضو رقم 32 في «الحلف الأطلسي» في مارس 2024، وترفض روسيا أي علاقة من أي نوع بين أوكرانيا وحلف «الناتو»، ولهذا يقترح ترامب أن يتعهد «حلف الناتو» وأوكرانيا بعدم انضمام كييف إلى الحلف حتى 20 عاماً قادمة، لكن هناك من يقول بأن سياسة «الباب المفتوح» في الناتو يجب أن تظل مستمرة، وهدف روسيا من هذا الطلب ليس فقط منع أوكرانيا من دخول الناتو «بل منع جورجيا ومولدوفا من الانتماء للحلف الأطلسي في المستقبل.
ثانياً: شرق دينبرو
عندما بدأت الحرب الروسية الأوكرانية قال البعض، إن هدف روسيا هو السيطرة بالكامل على أوكرانيا، لكن روسيا منذ مارس 2022 عندما جرت المفاوضات مع أوكرانيا لأول مرة بعد الحرب في إسطنبول قالت، إنها لا تسعى للسيطرة على كل الأراضي الأوكرانية أو حتى إسقاط النظام، لكنها تريد الأراضي شرق نهر دينبرو، لأن الجمهوريات التي تقع شرق هذا النهر بها أغلبية من أصول روسية، وأن هؤلاء تعرّضوا لتميّز ومعاناة وحروب منذ انفصال أوكرانيا عن الاتحاد السوفييتي السابق، وتتحدث روسيا بشكل تفصيلي عن السيطرة على 4 جمهوريات رئيسية في شرق وجنوب أوكرانيا هي لوغانسك ودونيتسك وخيرسون وزاباروجيا، بالإضافة الى شبه جزيرة القرم التي سيطرت عليها روسيا عام 2014، وبذلك تسعى روسيا لاستقطاع نحو 20% من الأراضي الأوكرانية.ثالثاً: التسليح
أهداف روسيا من المفاوضات تصل إلى أكثر من ذلك من خلال سعيها لفرض نموذج على أوكرانيا يشبه النموذج الألماني في التسليح وعدد الجنود عقب الحرب العالمية الثانية، وذلك بتحديد سقف لعدد المجندين في الجيش الأوكراني، وعدم تملك أوكرانيا الأسلحة النووية التي تخلت عنها مع بيلاروسيا وكازاخستان بموجب «مذكرة بودابيست» للضمانات الأمنية في 5 ديسمبر/كانون الأول 1994، وعدم إنشاء أي قواعد عسكرية غربية، سواء لدول في «الناتو» أو خارج «الناتو».
رابعاً: الكنيسة الروسية
وبرغم أن كلتا الكنيستين الروسية والأوكرانية تنتميان للعائلة الأرثوذكسية فإن موسكو تشتكي من سيطرة الحكومة الأوكرانية على أصول الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا واضطهاد أتباعها وسجنهم بتهمة الولاء لروسيا، ولهذا تشترط روسيا لتحقيق سلام دائم ومستدام عودة الأملاك للكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا، والإفراج عن أتباعها، وتوقف كل القرارات والقوانين التي اتخذتها حكومة كييف ضد الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا.

المعادلات الأوكرانية
يؤثر الموقف الأمريكي للرئيس ترامب بعمق على المعادلات الأوكرانية، فمنذ 24 فبراير 2022 وحتى عودة ترامب للبيت الأبيض كان الدعم الأمريكي والغربي لجبهة القتال الأوكرانية «بشكل مطلق وغير مشروط»، لكن الآن تغيرت المعادلة الأمريكية، وتغيرت معها المعادلات الأوكرانية والتي تقوم على مجموعة من المواقف وهي:
أولاً: حدود 1991
تتمسك أوكرانيا بوحدة وسلامة أرضيها التي تعود لعام 1991 عندما أعلنت كييف الاستقلال عن الاتحاد السوفييتي السابق، لكن هناك في المعسكر الغربي بما فيه الولايات المتحدة والدول الأوروبية من يعتقد بأن هذا الأمر غير واقعي، فالرئيس ترامب وأركان إدارته يكررون دائماً شعاراً بأن أوكرانيا يجب أن تتنازل عن جزء من أراضيها من أجل تحقيق السلام، خصوصاً ما يتعلق بشبه جزيرة القرم، كما أن كثيراً من مراكز الأبحاث الأوروبية تشكّك في استعادة أوكرانيا للقرم، لأن كل المحاولات التي بذلها الجيش الأوكراني وداعموه الغربيون فشلت في السيطرة على شبه جزيرة القرم، وسبق للرئيس ترامب أن قال بأن روسيا لا يمكن أن تتخلى عن شبة جزيرة القرم، الأمر الذي اعتبره القادة الأوروبيون بمنزلة تنازل أمريكي «مجاني» وبدون مقابل لروسيا قبل أن تبدأ المفاوضات الحقيقية.
ثانياً: الضمانات الأمنية
تسعى أوكرانيا للحصول على «ضمانات أمنية»، خصوصاً من الولايات المتحدة الأمريكية، حال عدم دخول أوكرانيا لحلف «الناتو»، حتى لا تقع الحرب مع روسيا من جديد، وهدف أوكرانيا من هذه الضمانات ألّا يتكرر ما جرى بعد عام 2014 عندما فشلت اتفاقيات «مينسك» وقبلها بروتوكول بودابيست الأمني لعام 1994 في منع وقوع الحرب الروسية الأوكرانية، وبرغم الرفض الصريح والعلني من إدارة ترامب لمنح أوكرانيا مثل هذه الضمانات التي يمكن أن تورط الولايات المتحدة في حرب مباشرة مع روسيا فإن من يراجع الخطوط العريضة «لاتفاق المعادن» بين واشنطن وكييف يكتشف أنه يتضمن ضمانات أمنية غير مباشرة، لأن هذا الاتفاق يعني شراكة طويلة المدى بين الولايات المتحدة وأوكرانيا عقب نهاية الحرب.
ثالثاً: الجمهوريات الأربع
ترفع أوكرانيا شعار يقول: «ما لم نخسره في الميدان لا يمكن أن نخسره على طاولة المفاوضات»، والمقصود هنا رفض أوكرانيا التنازل عن الأراضي التابعة إدارياً للجمهوريات الأربع، وهي لوغانسك ودونيتسك وخيرسون وزاباروجيا، فلا يزال جزء من أراضي هذه الجمهوريات التي أعلنت روسيا ضمها بالكامل في سبتمبر/أيلول 2022 تحت سيطرة الجيش الأوكراني، بينما تقول روسيا إن أراضي وسكان هذه الجمهوريات يجب أن يعودوا لها بالكامل، ووفق التقديرات الغربية فإن الجيش الروسي يسيطر على نحو 75% من دونيتسك وزاباروجيا وخيرسون وعلى أكثر من 99% من منطقة لوغانسك.
المخاوف الأوروبية
تخشى أوروبا أن تسمح المفاوضات بتحقيق أهداف الكرملين وسيطرة روسيا على نحو 20% من أراضي أوكرانيا التي كانت عليها قبل 24 فبراير 2022، ويأتي هذا التخوف من حسابات تقول إن نجاح روسيا في ضمّ أراضٍ من دولة أخرى شرق أوروبا قد يشجّع موسكو لتكرار نفس التجربة، ليس فقط مع دول خارج الاتحاد الأوروبي وحلف «الناتو» مثل جورجيا ومولدوفا، بل مع دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي وحلف «الناتو» بها نفس المشاكل لمواطنين من أصل روسي، مثل دول بحر البلطيق الثلاث «إستونيا ولاتفيا وليتوانيا»، ولهذا قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس أثناء زيارتة للعاصمة الليتوانية فيلنيوس في 22 مايو/أيار الجاري بأن روسيا تهدد أمن كل القارة الأوروبية، من هذا المنطلق تسعى أوروبا لدعم موقف أوكرانيا التفاوضي، عبر تعويض كييف عن توقف المساعدات العسكرية الأمريكية، من خلال خطة لإنتاج مزيد من السلاح والذخيرة الأوروبية للجيش الأوكراني، ودعم اقتصاد كييف، مع التلويح بإرسال قوات إلى أوكرانيا، لمنع وقوع الحرب مرة أخرى، والهدف من كل ذلك أن يظل «الموقف التفاوضي» الأوكراني قوياً في أي مفاوضات قادمة.
لكن على الجانب الآخر هناك من يقول في أوروبا إن وقف الحرب في الوقت ليس في صالح الأوروبيين، لأن توقف الحرب حالياً يعني استعداد روسيا لجولة جديدة من الحروب، وأن المخابرات الأوروبية ترى استعدادات روسية لحشد جيش ضخم من 3.5 مليون مقاتل، وتجهيز نحو 7 آلاف دبابة، و5 ملايين طائرة مسيّرة للجولة الجديدة من الحروب بعد 5 سنوات من الآن، وفق ما قالت ألمانيا وبريطانيا أكثر من مرة،
ويذهب أصحاب هذا التوجه إلى أن استمرار استنزاف روسيا في أوكرانيا هو الحل المثالي لمنع تكرار الحروب في المستقبل، وأصحاب هذا الرأي هم الذين يقفون بقوة وراء استمرار دعم أوكرانيا لتحقيق هدفين: الأول هو تحسين موقف كييف التفاوضي، والثاني وقف الحرب بطريقة لا تسمح لروسيا بالعودة السريعة لمسار الحرب عام 2030 وفق الحسابات الأوروبية.
المؤكد أن قطار المفاوضات انطلق، ولن يتوقف قبل توصّل روسيا وأوكرانيا لوقف أخطر حرب تشهدها القارة الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية، لكن كثرة الملفات وتعقيداتها سوف تحتاج لمعالجة خاصة، ووقت طويل قبل أن يسمع العالم النبأ الذي ينتظره الجميع، وهو توقف الحرب الروسية الأوكرانية.
