الشارقة - عثمان حسن
الخطاط السعودي جمال الكباسي، هو أحد الفنانين المعروفين بإنجازاتهم في مجال اللوحات الخطية، وهو يعد من رواد الخط العربي في المملكة، كما أنه يوصف بمحدث ومطور الخط الكوفي، وقد أشاد عدد كبير من الخطاطين العالميين بإنجازاته في هذا الميدان.
لدينا لوحة خطها جمال الكباسي بعنوان (رب اغفر لي وارحم) بالخط الكوفي الفاطمي، وهي جزء من الآية القرآنية «وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ».
معروف أن الخط الكوفي الفاطمي هو أحد تفريعات الخط الكوفي، وهو يعد من أعرق الخطوط الإسلامية وأكثرها هيبة، وهو يتميز بالزوايا المستقيمة والارتفاعات العمودية، كما أنه خط يمزج بين الحرفة الهندسية والزخرفة الناعمة.
وفي هذه الآية ثمة إرشاد من الله، عز وجل، إلى ضرورة تكرار هذا الدعاء، لما فيه من محو الذنب، وجلب الرحمة والمغفرة، والتوفيق في الأقوال والأفعال.
يعرف الخط الكوفي الفاطمي، أيضاً باسم «الكوفي المورق» وهو نوع من الخطوط يتميز بزخارف نباتية تشبه أوراق الأشجار التي تنبعث من أطراف الحروف، خاصة الحروف الأخيرة، وهذه الزخارف تجعل الخط أكثر جمالاً وتأثيراً، ويستنبطها الخطاطون من أنواع الزخارف النباتية المتنوعة.
التكوين
في هذه اللوحة ثمة براعة واضحة في التكوين الجمالي والروحي، وقد خطها جمال الكباسي لتحقق جملة من الشروط الفنية التي تراعي في كثير منها خصائص الخط الكوفي الفاطمي، ومن ذلك قابلية هذا الخط للزخرفة النباتية وطواعيته للشكل الهندسي، الذي يحقق عدة مزايا تبرز التأثيرات الجمالية للكوفي ليظل مناسباً للزخرفة والنقوش، ولكي يحافظ على رصانة الخط الكوفي الأصلي، ما يعكس إبداع الخطاطين في التوازن بين الشكل والمحتوى.
ونلحظ في اللوحة الخطية تركيباً فنياً متوازناً من حيث الدقة الهندسية العالية، ففي هذا الخط يستخدم الكباسي منظوراً خطياً قائماً على الزوايا الحادة والاستقامة، مستفيداً من خصائص الكوفي الفاطمي، ومن جهة ثانية فهو يبني كل حرف من حروف الآية الكريمة ضمن إطار هندسي واضح، مثل المربعات أو المستطيلات أو الخطوط الرأسية والأفقية، ومن يدقق في اللوحة يلحظ استخداماً متوازناً للفراغ والكتلة، الفراغات هنا، محسوبة بدقة بين الحروف والزخارف الظاهرة في اللوحة، ما يمنح اللوحة بعداً بصرياً بين الكتلة والفراغ، وقد جمع الكباسي في هذه اللوحة بين الأصالة والمعاصرة، فرغم كون الخط الكوفي الفاطمي من الخطوط القديمة، إلا أن الخطاط الكباسي قد استطاع ببراعته أن يستخدمه في أسلوب عصري من حيث تكوين اللوحة، التي ظهرت كتحفة خطية معمارية البناء، وقد أدخل الكباسي في هذه اللوحة زخارف كوفية مربعة باللون الأحمر، وقد استخدم اللون الأحمر هنا، بعناية ومن دون أن يغلب على مساحة أو حجم اللوحة، وكذلك فقد برزت في اللوحة عناية الخطاط في تنفيذ تشكيل فني حقق إيقاعاً بصرياً من حيث النقاط وانحناءات الحروف وامتداداتها، كما لو أننا أمام موسيقى صامتة داخل الشكل، واللوحة بما تمتعت به من جاذبية بصرية مكنت المشاهد من التنقل بين أجزائها بسلاسة وفي كل الزوايا والانحناءات.
وبشكل عام، فقد اجتمعت الكلمات والحروف في هذه اللوحة الآسرة، بشكل جمالي ومتوازن، كما حرص الكباسي على أن يضع النص الديني داخل إطار مبهر قريب من اللون الأصفر، وهو من تدرجات اللون البني، والأصفر هنا، حمل العديد من الدلالات والمعاني، التي أضفت على اللوحة مسحة من السرور والحيوية والإبداع، فظهرت هذه اللوحة في حلة بصرية جميلة ومزخرفة تزين الحروف والكلمات المكونة في داخلها.
من جهة أخرى، فقد ظهر توقيع الخطاط في الزاوية السفلية من جهة اليسار بخط صغير، وهذا التوقيع ليس عشوائياً، بل هو جزء من تكوين اللوحة، حيث جاء في موقعه تماماً بحيث لا يخل بتوازن العمل.
وقد كان استخدام اللونين في الخط مقصوداً لذاته من حيث رمزية اللون ليحقق من خلالها الخطاط تلك الرسالة التي تمزج بين المعنى العاطفي والروحاني والبناء الهندسي العام للوحة.
إضاءة
ولد الخطاط جمال الكباسي عام 1950، وقد مثل المملكة العربية السعودية في أكثر من معرض دولي، وهو يعتبر من المحدثين للخط الكوفي في عصره، حيث نسب إليه العديد من الخطاطين العالميين استحداثه إبداعاً غير مسبوق في تطوير الخط الكوفي، وجمال الكباسي تتلمذ على يدي رائد الخط العربي هاشم محمد البغدادي، وأيضاً الخطاط العراقي صادق الدوري، ترأس العديد من لجان التحكيم المتخصصة، وقد حصل على عدة جوائز وشهادات محلية ودولية، وله عدة مقتنيات لأعماله الفنية داخل المملكة وفي بعض دول العالم.