د.أيمن سمير
يتباهى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ببضع كلمات يرددها كثيراً، يؤكِّد من خلالها أنه استطاع تغيير «وجه الشرق الأوسط» خلال العامين الماضيين ويتفق معه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي قال في أكثر من تغريدة: «إن وجه الشرق الأوسط يتغير» والمقصود دائماً بتغيير وجه ومعالم الشرق الأوسط اعتقاد واشنطن وتل أبيب بأنهما على مرمى حجر من جني الثمار السياسية والأمنية في المنطقة نتيجة لما يراه نتنياهو وترامب بأنها نجاحات وإنجازات استراتيجية جاءت عقب أحداث 7 أكتوبر 2023، والتي نتج عنها ضعف شديد في قدرات ما يسمى بـ«محور المقاومة والممانعة» وخاصة الخسائر الفادحة التي لحقت بحزب الله اللبناني ونتج عنه تراجع قواته إلى شمال نهر الليطاني بعد أن فقد زعيمه التاريخي حسن نصر الله، وكافة قيادات الصف الأول والثاني، ثم سقوط نظام الأسد بعد حكم استمر لنحو 50 عاماً وحرب أمريكية استمرت 51 يوماً على الحوثيين في اليمن أضعفت كثيراً من قدراتهم وانتهى كل ذلك بحرب الـ12 يوماً بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب وإيران من جانب والتي قضت على القدرات النووية والصاروخية للجمهورية الإيرانية وفق التقديرات الأمريكية والإسرائيلية وقبل كل ذلك تدمير إسرائيل قدرات حركة حماس في قطاع غزة على مدار أكثر من 21 شهراً من الحرب التي لم تبقِ حجراً على حجر في القطاع.

راهن ترامب ونتنياهو على أن تلك المتغيرات سوف تقود إلى السلام والاستقرار الطويل في المنطقة بعد أن فشلت الأذرع والمليشيات في دعم إيران خلال المواجهة مع إسرائيل، حيث لم يطلق حزب الله اللبناني أو المليشيات العراقية صاروخاً واحداً على إسرائيل، بينما أطلق الحوثيون صاروخين فقط وكل هذا يؤدي من وجهة النظر الأمريكية والإسرائيلية -وحتى لدى كثير من الأوروبيين- إلى «انكفاء» إيران على الداخل والاهتمام بالقضايا المحلية والوطنية دون السعي لـ«تصدير الثورة» كما كان عليه الحال منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979.
لكن على الجانب الآخر هناك فريق يرى مبالغة شديدة في التقديرات والتصريحات الإسرائيلية والأمريكية استناداً إلى أن تغيير وجه ومعالم الشرق الأوسط يحتاج إلى دولة تتمتع بعناصر «القوة الشاملة» وهي مساحة واسعة من الأراضي لا تتوفر لإسرائيل التي لا تزيد مساحتها على 19 ألف كلم من إجمالي مساحة فلسطين التاريخية التي تبلغ 26 ألف كلم ولهذا كانت أغلبية الأهداف التي وصلت إليها الصواريخ الإيرانية على مسافات قريبة جداً وأيضاً تتضمن «عناصر القوة الشاملة» ضرورة توافر عدد كبير من السكان حتى تستطيع أي دولة أو أمة إحداث تغيير جوهري في الإقليم المجاور، بينما الواقع يقول إن عدد سكان إسرائيل لا يزيد على 10 ملايين نسمة وحتى الموارد الاقتصادية والناتج القومي الإسرائيلي لا يمكن أن يمول سلسلة من الحروب الطويلة تقود في النهاية إلى تغيير وجه الشرق الأوسط كما يحلم نتنياهو.

اللافت أيضاً أن المشككين في تغيير معالم الشرق الأوسط بعد الحروب الأخيرة يستندون إلى أمور أخرى منها على سبيل المثال «عدم اليقين» بشأن القضاء الكامل على البرنامجين الصاروخي والنووي لإيران وأن إيران قد تصبح أكثر تصميماً من أي وقت مضى للإبقاء على نفوذها في المنطقة ودعم وكلائها من جديد وترميم برنامجها الصاروخي والنووي من جديد وأن حزب الله بات ضعيفاً، لكنه لم ينته بعد، والتقديرات الأمريكية نفسها تقول إن الحوثي فقد الكثير من قدراته، لكنه لا يزال قوياً وعنيداً ويصعب دفعه لتقديم تنازلات كبيرة وعميقه تقود لإنهاء الصراع والخلاف في اليمن الذي بدأ مع سيطرة الحوثي على صنعاء في 21 سبتمبر 2014.
فما هي طبيعة التغيير الذي يمكن أن يحدث في الشرق الأوسط؟ وهل المقصود هو تغيير الخرائط على نمط سايكس-بيكو وخرائط برنارد لويس ورالف بيترز؟ أم أن الأنظار سوف تتجه نحو «تغيير الأيديولوجيات والاصطفافات» واستبدال التنافسات والصراعات السابقة بالحوار والتعاون والشراكة؟ وإلى أي مدى بات الشرق الأوسط على أعتاب موجه جديدة من الفوضى تقود إلى تشكيل نظام إقليمي جديد؟
تحولات واضحة
ما بين الرؤية الأمريكية والإسرائيلية التي تتحدث عن تغيير الشرق الأوسط، والرؤية الإيرانية وبيئة الممانعة التي تشكك في هذا التحول هناك مجموعة من الحقائق وهي:
أولاً: إنجازات ناقصة
لا يمكن لإسرائيل الادعاء أنها حققت انتصارات كاملة على أي طرف من أطراف «فريق المقاومة» فحركة حماس لم تسلِّم سلاحها، وتواصل التفاوض والقتال في آن واحد دون أي علامة على الاستسلام وحزب الله يرفض التخلي عن سلاحه رغم إقراره الأخير بحصر تملك السلاح من جانب الدولة اللبنانية ولا يزال هناك خلافات جوهرية في تقييم ما لحق بالبرنامجين النووي والصاروخي الإيراني حتى بين أجهزة المخابرات الأمريكية نفسها، وفي مقدمتها وكالة مخابرات وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون» وكل هذه الجبهات مع غزة ولبنان وإيران والحوثي ما تزال مفتوحة ولم تستطع إسرائيل بكل الدعم الأمريكي أن تغلقها لصالحها وتحاول من خلال الدبلوماسية الأمريكية والمبعوثين الأمريكيين تحويل «الانتصارات الناقصة إلى ثمار سياسية» حقيقة وهو ما يكشف وفق بعض الإسرائيليين أنفسهم بأن إسرائيل لديها «فرط في القوة وإفلاس في السياسة».

ثانياً: تراجع محور «الممانعة»
لا يمكن لأي منصف أن ينكر الخسائر الفادحة التي لحقت بمحور الممانعة، ويكفي أنه خسر«حسن نصر الله» جوكر محور المقاومة من لبنان وسوريا إلى العراق واليمن ولا يمكن تعويض الخسائر التي لحقت بحزب الله بعد عملية البيجر في سبتمبر 2024 ولا يمكن لإيران تعويض خسائرها في دولة بحجم وأهمية سوريا بعد سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر الماضي وهو يعني تراجع الاستراتيجية الإيرانية التي اعتمدت عليها طهران منذ نهاية الحرب العراقية الإيرانية في عام 1988 والتي كانت تقوم على دعم وكلاء وأذرع وحلفاء ليكونوا «خط دفاع متقدماً» عن الجمهورية الإيرانية.
ثالثاً: حدود الدعم الروسي والصيني
كشفت الحرب الإسرائيلية الإيرانية أن هناك حدوداً للدعم الروسي والصيني لحليفتهما إيران وهو دعم سياسي ودبلوماسي فقط رغم توقيع طهران اتفاقيات شراكة استراتيجية مع كلٍّ من موسكو وبكين وهو ما يقول أن التحالف الأمريكي الإسرائيلي يختلف كماً ونوعاً عن الشراكة الإيرانية مع روسيا والصين ولهذا جرى طرح كثير من الأسئلة في الأوساط الإيرانية وفي كل محور المقاومة والممانعة حول فاعلية التحالف والشراكة مع الصين وروسيا، خصوصاً في ظل الحسابات التي كانت تقول إن سقوط أو حتى إضعاف النظام في إيران يعني حرية وسيطرة استراتيجية أمريكية من شرق المتوسط حتى الحدود البرية الصينية، بمعنى أن ضعف إيران أو سقوط نظامها يسمح «بحرية الحركة» للطائرات الأمريكية من سوريا والعراق غرباً، مروراً بإيران وأفغانستان، وصولاً للحدود البرية الأفغانية مع غرب الصين، ليس هذا فقط، فإن إضعاف إيران يعني التأثير المباشر في طريق «الحزام والطريق» في ظل تقديرات تقول إن استئناف الضربات الإسرائيلية على إيران ومحاولة زعزعة النظام من جديد سوف تعيد رسم المعادلات الأمنية والاقتصادية في منطقتي آسيا الوسطى وجنوب القوقاز، ففي حال تجدد الصراع بين إسرائيل وإيران وتعرض النظام الإيراني لأي هزه فإن هذا يعني خسارة الصين لنحو 50% من مشروعها الحزام والطريق ويغلق الطريق البديل عن طريق «خليج ملقا» الذي تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية أن تغلقه في أي صراع مع الصين، فإيران تشكل نهاية الطريق البري من الصين مروراُ بأفغانستان وباكستان والذي يتجه من إيران جنوباً إلى المحيط الهندي بعيداً عن مضيق ملقا.
على الجانب الأخر قدَّمت الولايات المتحدة نفسها كصديق موثوق فيه، ومستعد للقتال والدعم من أجل حليفتها إسرائيل وهي رسالة أرادت الولايات المتحدة أن ترسلها للجميع في المنطقة للحلفاء والأعداء على السواء.

رابعاً: الحروب المباشرة
التغير الأكبر في معادلات الشرق الأوسط خلال الفترة الماضية هو انتقال الحرب بين إيران وإسرائيل من «حروب الظل» إلى «الحروب المباشرة»، فإسرائيل مستعدة في أي وقت لمهاجمة العمق الإيراني إذا خلصت إلى أن طهران تسعى لترميم البرنامجين الصاروخي والنووي، بينما إيران لن تنتظر حزب الله أو حتى حماس لتقوم بعملية نيابة عنها ضد إسرائيل، فهي على يقين بأن نحو 18% من صواريخها سوف تصل لأهدافها مباشرة في قلب إسرائيل وهذا مؤشر خطِر على أن الحرب بينهما لم تنته بعد ويمكن أن تعـــود في أي وقت في ظل الحديث الإسرائيلي بأن زيارة نتنياهو هذا الأسبوع إلى الولايات المتحدة كان هدفها الحصول على ضمانات أمريكيـــة وضوء أخضر لمهاجمة إيران إذا حاولت طهران إحياء برنامجها النووي أوالصاروخي.
سيناريوهات مستقبلية:
في ظل الحقائق السابقة فإن هناك 5 سيناريوهات تنتظر إقليم الشرق الأوسط وهي:
أولاً: «سايكس بيكو2»
ويقوم على تغيير الخرائط في الشرق الأوسط ومنها على سبيل المثال ضم إسرائيل مزيد من الأراضي في جنوب سوريا في 3 محافظات رئيسية هي درعا والسويداء والقنيطرة وضم الضفة الغربية أو على الأقل المنطقة «ج» من الضفة الغربية لإسرائيل وإضعاف النظام الإيراني أو سقوطه مستقبلاً يعني عدة دويلات في إيران منها دولة للفرس، وانضمام المناطق القريبة من أذربيجان إلى جمهورية أذربيجان وانضمام أكراد إيران الذين يشكلون نحو 27% من السكان إلى أكراد العراق أو محاولة بناء كيان ودولة خاصة بهم ونفس الأمر لمكونات إيرانية أخرى خارج الأغلبية البسيطة للفرس وهذا التشظي الإيراني إذا حدث يمكن أن يكون له ارتدادات على الدولة الوطنية المرسومة وفق حدود سايكس بيكو في منطقة المشرق العربي أيضاً.
ثانياً: انكفاء إيراني
ويقوم على إعادة التموضع الإيراني داخل الجغرافيا الإيرانية وعقد صفقة مع الولايات المتحدة ترفع بموجبها واشنطن العقوبات عن طهران ويتحسن الاقتصاد الإيراني وتتخلى إيران عن دعم وكلائها في المنطقة.
ثالثاً: «استقلالية المليشيات»
ويفترض هذا السيناريو أن تكون قرارات الحوثيين وحزب الله والمليشيات في العراق أكثر استقلالية وبعيداً عن إيران بعد وقف أو تقليل الدعم الإيراني لهم، بما يساعد على بناء «دولة وطنية» و«مؤسسات وطنية» في كلٍّ من العراق ولبنان واليمن.

رابعاً: «استراحة محارب»
ويفترض أن تقتنع إسرائيل بأنها عطَّلت البرنامجين النووي والصاروخي لإيران لسنوات وليس أشهر مع مراقبة الأنشطة الإيرانية من كثب وتقتنع إيران أيضاً بأنها حققت نصراً غير مسبوق على إسرائيل وتحاول معالجة الثغرات الكبيرة في الدفاعات الجوية ومكافحة فرق التجسس التي تعاقدت معها تل أبيب مع استمرار الدعم الإيراني حتى لو كان بوتيرة أقل لحلفائها وأذرعها في المنطقة لحين استئناف الحرب من جديد سواء كانت حرباً مباشرة أو العودة من جديد إلى ما سمى «بالحرب بين الحروب» أي «حروب الظل».
خامساً: الاستقرار الطويل
وهو سيناريو ترى واشنطن وتل أبيب أنه يلوح في الأفق بعد تقليص قدرات إيران وأذرعها في المنطقة وأن النتيجة الحتمية لهذه الضربات والإنجازات من وجهة النظر الأمريكية هو دخول المنطقة حالة من الاستقرار الطويل تبدأ بتسارع وتيرة «مسارات التطبيع» بين إسرائيل من جانب والدول العربية والإسلامية من جانب آخر.
المدقق في نتائج الصراعات والحروب المسلحة التي شهدها إقليم الشرق الأوسط خلال 21 شهراً سوف يكتشف أنها انتصارات «بالنقاط» وليس «بالضربة القاضية»، لأنه لا توجد هزيمة ساحة أو انتصار ساحق لأي طرف، فعلى سبيل المثال تقول كل من إسرائيل وإيران إنهما حققتا النصر في حرب الـ12 يوماً، وكل طرف يقدِّم العشرات من الحجج والبراهين على روايته ويمكن لإيران حال عدم التوصل لاتفاق سياسي مع الولايات المتحدة الأمريكية أن تعيد «إحياء البرنامج النووي» حيث تضررت فقط المنشآت، لكن المعرفة و16 ألف عالم نووي واليورانيوم المخصب لم يلحق بهم ضررٌ كبيرٌ، كل هذا يقول: إن الحديث عن أي تغيير في الشرق الأوسط يتوقف على الاتفاقيات الجديدة التي ينتظرها الإقليم ليس فقط بين إسرائيل وإيران، بل بين إسرائيل وكلٍّ من لبنان وسوريا والفصائل الفلسطينية.
