تعكس الحكايات الخرافية الشعبية صورة حقيقية عن الوعي الجمعي للشعوب، وتعطي ما هو أكثر من لمحة عن معتقداتهم وقيمهم الأخلاقية، يقال هذا ونحن بصدد الحديث عن كتاب «ألكسندر أفاناسييف» وعنوانه «بابا ياجا.. حكايات شعبية روسية»، ترجمة رولا عادل رشوان.
«بابا ياجا»، هي المعادل الرسمي لشخصية الساحرة العجوز، حكاية شعبية من التراث الشعبي الروسي، وقد دونت الحكايات والحواديت الشعبية، وتم التأريخ لها عبر الأزمان، وعبر مختلف الأجيال، على لسان العجائز والجدات، وعن طريق كتاب وباحثي التاريخ، وربما يندهش القارئ إذا حاول البحث في أصول تاريخ الحكاية القديمة، وكم المؤلفات الصادرة بخصوصها والمقتبسة عنها، بل وحتى الأبحاث التي تنظر في تاريخ نشأتها، وتقارن بين اختلافاتها وتأثيرات رسائلها الواضحة، وحتى مبادئها المنثورة بين السطور، منها ما يحمل طابعاً سياسياً ناقداً لسلطات القيصر، ومنها ما يخبر عن عاقبة التخاذل، أو ضعف الحيلة والشخصية، ولأسباب كهذه، تطوع عدد من الكتاب والمؤلفين الروس، لتقصي نصوص من الحكايات الشعبية، وجمعها وحفظها، تقديراً لهذا الفصل المهم من التراث الروسي.
*طابع مميز
يأتي ضمن هؤلاء الكتاب ثلاثة من أهم من كتب وبحث في أصل النصوص الأصلية للحكايات الشعبية: «فلاديمير دال»، و«بافيل بتروفيتش بازوف»، أما أهمهم على الإطلاق فهو «ألكسندر أفاناسييف»، الذي نشرت النسخة الأولى من كتابه «الحكايات الشعبية الروسية» ما بين سنتي 1836 و1855، يعد هذا المؤلف حتى الآن من أهم مصادر التاريخ الشعبي والفلكلور الروسي، حتى أن بعض المراجع عمدت إلى الاعتراف بفضله بتسميته «جريم الروسي»، على الرغم من شهرة بعض الحكايات الروسية وتشابهها أحياناً مع حكايات من بلاد أخرى، يبقى الطابع الروسي واضحاً، ويظل النص الأصلي متفرداً.
تقول المترجمة رولا عادل: «نفسر تفرده ها هنا بخصائص البلاد المنتجة لهذه النصوص، حيث تنتشر مثلاً بين الحكايات سمة البرد والثلوج، والأنهار المتجمدة في إشارة لطبيعة البلاد الروسية الباردة، وعلى صعيد آخر تبرز سمات القرية والحياة الريفية البسيطة، التي تشير بدورها إلى طبيعة الريف الروسي القديم، قبل أن تمسه يد الحضارة والعصرية.
على طول صفحات الكتاب، يبدو لعين القارئ رمز «المرأة الروسية الحاذقة» واضحاً ومكرراً، على اختلاف ظروف كل حكاية، فالمرأة الروسية في القصة، طيبة كانت أم شريرة، هي شخصية بارزة لها صوت جلي عال، يلجأ إليها أبطال القصص في أحيان كثيرة، طالبين المشورة أو النصيحة، أو حتى الدعم النفسي.
تنتهي الحكايات دائماً باكتساب حكمة، أو في حالة حكايات المغامرات بالعودة إلى الديار والنهاية السعيدة، وهذا نابع من إيمان شعبي روسي بلزوم الثواب من بعد طول الجهد، ولهذا تتعمد بعض القصص الإطالة في مغامرة البطل، واختراع العقبات، فالنهاية السعيدة تأتي لمن يثابر ويستحق هذا، ناهيك عن قصص الحب التي تنتهي دائماً بزواج أو حفلات زفاف.
تقول رولا عادل رشوان: «إن أغلب محتوى الكتاب ومعظم قصصه، يعد الترجمة أو النسخة العربية الوحيدة الصادرة لهذه القصص، وإن تشابه بعض قليل من محتوى الكتاب، مع إصدارات سابقة، حملت ذات الهدف».