على عكس ما سعى إليه الرأي العام العالمي وداخل إسرائيل، بشأن اتفاق ينهي القتال في غزة المهددة بالمجاعة، ويحرر باقي الرهائن، أعلن بنيامين نتنياهو خطة احتلال لمدينة غزة، يرى فيها سبيلاً لتحقيق أهدافه، لكنها تلقى دعماً فقط بين صفوف ائتلافه اليميني المتطرف، بينما تعارضها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية المنوطة بتنفيذها، وكذلك الشارع الإسرائيلي، وسط رفض عالمي واسع النطاق لها.
وفي حين يسعى نتنياهو بهذه الخطة للحفاظ على ائتلافه الحكومة فإن الكثير من المراقبين يرون أنها ستصل في نهاية المطاف إلى طريق مسدود، وأنه قد يتراجع عنها بعد فترة تحت ضغوط دولية، حيث تهدد بمقتل باقي الرهائن الإسرائيليين في القطاع، فضلاً عن مفاقمة الأوضاع المأساوية للمدنيين، لكن التراجع عنها قد يحتاج لضغط شديد من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ضوء أخضر أمريكي
وبينما لم يُعلن ترامب تأييده لمقترح نتنياهو باحتلال غزة، فإنه صرّح بأن حماس «تشددت» في موقفها وتعارض إطلاق سراح الرهائن. وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، صرّح أن القرار «يعود إلى إسرائيل إلى حد كبير»، وهو ما فسّره محللون على أنه ضوء أخضر للمضي قدماً.
ويؤكد القنصل العام الإسرائيلي السابق في لوس أنجلوس، ياكي ديان، أن «الموقف الإسرائيلي يتوافق بشكل واضح بنسبة 100% مع الأمريكيين»، وأضاف أن نتنياهو نسق خططه بشأن غزة مع ترامب.
وبحسب تقارير عبرية، فإن الضوء الأخضر الذي منحه ترامب لنتنياهو لتوسيع العملية في غزة رغم مخاطرها، جاء شريطة أن تتحرك القوات بسرعة، من دون بقاءٍ غير ضروري، فيما أجبره على السماح بدخول المساعدات.
ورطة إسرائيلية
يقول زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد: «هذا بالضبط ما أرادته حماس: أن تتورط إسرائيل على الأرض من دون هدف، ومن دون تحديد سيناريو اليوم التالي، في احتلال لا معنى له ولا أحد يفهم إلى أين يقود».
وأضاف أن هذا «سيؤدي إلى موت الرهائن، ومقتل العديد من الجنود، وكلفة دافعي الضرائب الإسرائيليين عشرات المليارات، ويؤدي إلى انهيار دبلوماسي».
ويرى قادة عسكريون إسرائيليون، أن استمرار الحرب حتى الآن يعود لعدم قدرة الحكومة على استغلال الوضع العسكري دبلوماسياً، بينما الجيش في أزمة حالياً، حيث جرى اتخاذ خطوات لتخفيف العبء عن جنود الاحتياط هذا العام، كما تم إلغاء سياسة التمديد التلقائي لخدمة المجندين من خلال أوامر استدعاء طارئة.
أزمة قائد الجيش الإسرائيلي
حذّر ضباط رفيعو المستوى في الجيش الإسرائيلي من أن الاحتلال الكامل سيتطلب عملية برية تستمر لأشهر، وعمليات تمشيط للمنطقة، وهو ما قد يستغرق عامين. كما ستتطلب العملية مشاركة ما بين أربع وست فرق، ما يعني عدداً فلكياً من أيام خدمة الاحتياط.
وترى القيادة العسكرية الإسرائيلية، أن الجيش منهكٌ بعد خوضه ما يُعدّ بالفعل أطول حرب في تاريخه، كما يقلّ عدد جنود الاحتياط، الذين يُشكّلون الجزء الأكبر من القوة القتالية الإسرائيلية، فيما يقول مسؤولون: إن مخزونات الجيش الإسرائيلي من الذخائر وقطع الغيار آخذة في النفاد. كما ارتفعت حالات الانتحار بين الجنود المسرحين.
ورغم عدم تصريح قائد الجيش إيال زامير العلني برفض الخطة التي أقرتها حكومة نتنياهو، فإن صحيفة يديعوت أحرونوت أشارت إلى تصاعد الخلاف بينه وبين نتنياهو، كاشفة أن زامير يدرس إمكانية الاستقالة إذا ما أجبره صناع القرار السياسي على غزو قطاع غزة بأكمله، ولم ينفِ زامير هذه الأنباء رغم ضغط نتنياهو عليه.
وعلى الفور، قام نجل نتنياهو يائير بالهجوم على قائد الجيش، مردداً مزاعم أن زامير يُخطّط لانقلاب عسكري، كما نُقل عن سارة نتنياهو قولها إنها حذّرت زوجها من تعيين زامير، لأنه لن يصمد أمام ضغط الإعلام، حيث رشحت بدلاً منه اللواء ديفيد زيني، الذي عُيّن في هذه الأثناء رئيساً لجهاز الأمن العام (الشاباك).
والهدف من العملية هو مواصلة دفع السكان بالقوة إلى الجزء الجنوبي من القطاع مع محاولة إجبارهم على الهجرة. في المقابل، اقترح زامير تطويق الجيوب الحالية، وممارسة ضغط عسكري عليها من الخارج، ومحاولة استنزاف حماس، من دون تعريض حياة الرهائن للخطر.
حيلة عدم إعلان جدول زمني
يؤكد متابعون، أن عدم تقديم نتنياهو جدولاً زمنياً لاحتلال غزة كان متعمداً، حيث تمكنه هذه الحيلة من التلاعب بمعدل التنفيذ، على أمل أن يظهر في غضون ذلك حل آخر بمساعدة الضغط العسكري، خصوصاً إذا أخذ في الاعتبار أن زامير لا يزال يتمتع بتأييد الغالبية العظمى من الضباط.
ويشير تقرير لصحيفة هآرتس، أن الجمع بين الخطر على حياة الجنود والرهائن الإسرائيليين، إلى جانب المواجهة العلنية بين رئيس الوزراء ورئيس الأركان، قد يُرجّح كفة الرأي العام ضد نتنياهو بشدة، وهو ما قد يدفعه سريعاً للتراجع عن خطط الاحتلال.
المراقبون الذين يرجحون فشل خطة نتنياهو، استندوا إلى الواقع العملي، فقد تعهد مراراً وتكراراً إنه يحتاج فقط إلى مناورة عسكرية أخرى لهزيمة حماس في النهاية، ففي إبريل/نيسان من العام الماضي، قال: إن إسرائيل على بُعد خطوة واحدة من النصر، ما دامت قد سيطرت على رفح، جنوب قطاع غزة.
وفي مارس/آذار الماضي، ومع استمرار تدمير رفح ورفض حماس الاستسلام، بدأ نتنياهو حملةً وعد فيها بأنها ستمنح إسرائيل النصر أخيراً. وعندما لم يتحقق ذلك، شنّ عمليةً أوسع نطاقاً في مايو/أيار، والتي تركت الآلاف من المدنيين الفلسطينيين على شفا المجاعة.
هدف لا يمكن تحقيقه
يرى مراقبون إسرائيليون أن نتنياهو أعطى مرة أخرى الأولوية لاحتياجاته السياسية باختياره تمديد الحرب، متجاوزاً كبار الجنرالات، الذين يقول بعضهم: إن حماس تضررت بما فيه الكفاية، حيث دعم أراء حلفائه في الائتلاف اليميني المتطرف، الذين يقولون: إن الحرب يجب أن تستمر حتى تدمير حماس بالكامل.
يؤكد توماس نايدز، السفير الأمريكي الأسبق لدى إسرائيل أن «نتنياهو وضع لنفسه هدفاً غير قابل للتحقيق، وبالتالي فإن العملية لن تنجح أبداً، حيث يسعى للقضاء التام على حماس، ولكن كان عليه ضمان أن الحركة لن تتمكن من مهاجمة إسرائيل كما فعلت في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وهو ما يبدو أنه تحقق فعلياً».
ويرى بعض الخبراء أنه ربما يتراجع نتنياهو في وقت ما عن احتلال غزة بالكامل، أو بدء أي عملية جديدة، حيث إن التخطيط لمثل هذه المناورة الضخمة واستدعاء ما يكفي من جنود الاحتياط سيستغرق أياماً أو أسابيع، وقد تُلغى العملية خلال هذه الفترة. وقال معلقون إسرائيليون: إن مناقشة الاحتلال قد تكون تكتيكاً تفاوضياً لإقناع حماس بالاستسلام من دون قتال.
يؤكد ناداف شتراوكلر، المستشار السابق لنتنياهو أنه «لا أتوقع أن يُكمل نتنياهو مساعيه، فهو يُريد اتفاقاً، ومن وجهة نظره، كلما زاد الضغط العسكري على حماس، حصل على شروط تفاوضية أقوى». لكنه يرى أنه سواء مضت العملية أم لا، فإن التهديد باحتمال تنفيذها منح نتنياهو بعض المساحة للتنفس في الداخل. ويبدو أن اليمين المتطرف قد هدأ، على الأقل في الوقت الحالي، بخطة احتلال غزة، حتى وإن أغضب ذلك أهالي الرهائن الذين يخشون ألا ينجو ذويهم من هجوم إسرائيلي شامل.
تحول تكتيكي
تُمثل هذه الخطة تحولاً تكتيكياً مهماً لإسرائيل، فبينما سبق لجيشها أن عمل بكثافة في شمال القطاع، بما في ذلك مدينة غزة، فهذه هي المرة الأولى التي يُطلب منه فيها الاحتفاظ بسيطرته على المدينة، ومن المتوقع أن يستغرق إجلاء سكان مدينة غزة إلى مناطق أخرى نحو شهرين، وفقاً لشخص مطلع على تفاصيل اجتماع مجلس الوزراء.
وتُعدّ غزة المدينة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في القطاع، فقبل الحرب، كانت أكثر ازدحاماً من مدينة نيويورك، حيث كان يعيش أكثر من 650 ألف نسمة ضمن مساحتها البالغة 18 ميلاً مربعاً.
سموتريش يرفض الخطة المحدودة
ورغم الخسائر العسكرية والدبلوماسية وتهديد حياة الرهائن، فإن شخصاً مقرباً من وزير المالية اليميني المتطرف، بتسلئيل سموتريتش، قال: إن الوزير غير راضٍ عن الاقتراح الذي وافقت عليه حكومة نتنياهو، واصفاً إياه بأنه «عملية محدودة وخطرة، هدفها الوحيد إعادة حماس إلى طاولة المفاوضات، بينما يريد هو احتلالاً كاملاً وشاملاً مع إعادة الاستيطان لقطاع غزة».