شهد مفهوم الإدماج خلال العقود الماضية، تطوراً تدريجياً في السياسات الحكومية ومبادرات التنمية، لكنه ظل في كثير من الأحيان محصوراً في البعد الأخلاقي أو الحقوقي، باعتباره مسألة إنصاف أو عدالة اجتماعية. وعلى الرغم من أهمية هذين البعدين، فإنهما لا يعكسان الإمكانات الفعلية للإدماج بوصفه أداة أساسية لبناء اقتصاد أكثر تكاملاً ومؤسسات أكثر كفاءة وابتكاراً، إذ يصبح في هذه الحالة جزءاً أصيلاً من رؤية تنموية شاملة تستهدف تفعيل طاقات جميع أفراد المجتمع دون استثناء.
ولكي نرى الإدماج جزءاً من التنمية المستدامة، علينا أن نعيد التفكير في بعض المفاهيم الشائعة، فغالباً ما تُفهم الإعاقة على أنها عجز أو نقص في قدرات الشخص وليس حالة خاصة لا تؤثر في القدرات الكلية لذوي الإعاقة، أو يعتبر الدعم عملاً إنسانياً أو شكلاً من الحماية أو الرعاية، وليس حقاً أصيلاً أو جزءاً من المشاركة في التنمية. لذلك، فالإدماج الحقيقي يتجاوز بكثير توفير الخدمات أو تعديل البيئات المادية، ويتطلب ترسيخ ثقافة تنطلق من اعتبار التنوع البشري هو القاعدة وليس الاستثناء، سواء في المحيط الضيق أو داخل المجتمع أو في نطاق الهيئات والمؤسسات.
في إمارة الشارقة، أظهرت التجارب العملية، خصوصاً من خلال مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية، أن تطبيق مبدأ الإدماج انطلاقاً من تعزيز ثقافة التنوع، يؤدي إلى نتائج إيجابية ملموسة على صعيد وعي المجتمع وتطور المؤسسات. وقد بينت هذه التجارب أن الإدماج لا يتطلب دائماً موارد إضافية، بقدر ما يحتاج إلى رؤية واضحة منذ البداية عند تصميم السياسات. وهذا ما تدعمه مفاهيم «التصميم الشامل» Universal Design التي أصبحت أساساً في تطوير التعليم والبيئة العمرانية المعاصرة.
وقد أسهمت هذه الرؤية المميزة التي تتشارك بها كل الجهات والهيئات والمؤسسات، أن تكون الشارقة نموذجاً عالمياً في دمج ذوي الإعاقة ضمن مسيرة التنمية المجتمعية، فمنذ البدايات، وضعت الإمارة أسساً راسخة للتأهيل والتعليم والتمكين الاقتصادي عبر المبادرات النوعية والورش المهنية، والخدمات الداعمة للأسرة والمجتمع المحلي. ومع مرور الوقت، وسّعت الشارقة نطاق هذا النهج ليشمل التعليم الجامعي والتوظيف، وصولاً إلى حملات التوعية المجتمعية والتشريعات الداعمة، ما رسّخ مكانتها بيئة حاضنة للإدماج الكامل والعيش الكريم لجميع الفئات.
لقد كانت تجربة الشارقة استثنائية في هذا السياق؛ لأنها استندت إلى قاعدة ثقافية إنسانية راسخة، أرساها صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، ورعتها قرينة سموّه، سموّ الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي، رئيسة المجلس الأعلى لشؤون الأسرة، إذ تميزت الإمارة بثقافة تنموية محورها الإنسان مهما كانت ظروفه، وتستند إلى المؤسسات التي ترعى المواهب وتطورها وتوظفها في خدمة المصلحة العامة.
ومع كل هذا التقدم، لا تزال هناك الكثير من التحديات حول العالم، أبرزها المفاهيم التي تعيق تحول الإدماج إلى سياسة عامة شاملة تجسد الشراكة المتساوية، وترسخ الاعتراف بأن تنوع القدرات هو الواقع الطبيعي في كل المجتمعات، وليس حالة استثنائية تحتاج إلى معالجة خاصة.
إن الإدماج هو مشروع تغيير حقيقي في التفكير وفي تصميم الحياة العامة. وهو انتقال من السؤال التقليدي: «كيف نساعدهم؟» إلى سؤال أعمق: «كيف نبني مجتمعاً يتسع للجميع منذ البداية؟». في هذا الإطار، يصبح الإدماج مقياساً لمدى تطور الدول، ونضج المجتمعات، وقدرتها على صناعة نماذج تنموية مرنة تستوعب كافة الطاقات.
استناداً إلى ذلك يأتي تنظيم «المؤتمر العالمي 2025 نحن الاحتواء» في الشارقة ليكون محطة مفصلية لمراجعة تجربة الإدماج، وتأمل ما تحقق، وتشخيص التحديات، ليطرح، من خلال الحوار والخبرة والتجارب المتقاطعة، حلولاً إبداعية تعزز مفهوم التنوع بوصفه مورداً تنموياً، ليس في الاقتصاد فقط، بل في تشكيل نموذج حضاري يرتقي بالوعي الإنساني وينظر للإدماج بوصفه مبدأً تأسيسياً لحياة مشتركة.
مدير عام مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية
