نشأ علم التاريخ في الغرب في مسار النشأة العامة للعلوم الوضعية، وعلى قاعدتها نشأت علوم الإنسان والمجتمع، وكما كانت المادة الطبيعية عنصر الاختبار والتجريب في الفيزياء أو الكيمياء أو البيولوجيا، شكلت الوثيقة المكتوبة هنا عنصر الاختبار لاستخلاص المعلومات المفردة والبناء التاريخي عليها.
كانت الشفوية طريقة في نقل الأخبار، بل هي الطريقة الأولى والعفوية في النقل، ومن خلالها بدأ التدوين التاريخي في الحضارات المكتوبة كلها، ومن بينها الحضارة العربية الإسلامية، والجديد في اعتماد الشفوية مصدراً في الكتابة التاريخية العلمية الحديثة والمعاصرة يكمن في مستجدات ذهنية وفكرية ومعرفية، وفي استحقاقات حقوقية وسياسية وإنسانية أدركها وعي إنساني جديد بالتاريخ وبمعنى التاريخ.
وقد صدر في مجلدين كتاب «التاريخ الشفوي» لمجموعة من المؤلفين، حيث تجاذبت فكرة التاريخ الشفوي في العقود الأخيرة نظريات وآراء اختلفت في تعريف ماهيته وتحديد نشأته وتعيين دوره وقيمته، من حيث وزن المقاربة المعرفية، في تطور علم التاريخ، من حيث توسيع وظيفة هذا العلم لاستكمال أوجه المعرفة الاجتماعية والإنسانية كلها، ولإظهار كل جانب مسكوت عنه أو مهمش أو مطموس في الحياة الاجتماعية والإنسانية لدى الناس جميعهم.
هناك من يذهب إلى أن كتابة التاريخ كلها في العالم بما فيها التاريخ الأوروبي، منذ هيرودوت حتى ميشليه، مروراً بفولتير، كانت في أساسها أو أكثرها شفوية ثم كتبت، ولم يتمأسس التاريخ المكتوب، باعتباره علماً أو حقلاً معرفياً أكاديمياً إلا في القرن التاسع عشر، بل يمكن أن نضيف أن نشأة علم التاريخ عند العرب بدأت شفوية عبر الرواية المتناقلة والإسناد المتواتر أو المنقطع، وحتى في مرحلة التدوين والكتابة التاريخية المتنوعة الأبعاد والحقول والاهتمامات، ظلت الشهادة الشفوية مصدراً مهماً وأساسياً للخبر التاريخي منذ اليعقوبي حتى الجبرتي، مروراً بكتاب الخطط والرحلات والجغرافيا ولا سيما عند المسعودي الذي جمع معلوماته وأخباره عن طريق الاستماع والملاحظة والمحاورة والمقابلة.
تتركز الإشكالية البحثية المعاصرة في موضوعة التاريخ الشفوي منذ سبعينات القرن الماضي حتى اليوم، على أسئلة تتجاوز السؤال عن النشأة أو عن حضور المصدر الشفوي واستخدامه في الكتابة التاريخية، فهذا الاستخدام كان ولا يزال ضرورة وحاجة، وقد أجمعت مدارس التاريخ الوضعي على أهمية الوثيقة المكتوبة وأولويتها، بحيث رهنوا المعرفة التاريخية بها، فإذا ضاعت الوثيقة ضاع التاريخ، وكانت هذه المقولة بمنزلة لازمة تتردد بلا انقطاع عبر أجيال المؤرخين المتعاقبين على هذه المدرسة.
تقع إشكالية «التاريخ الشفوي» – كما يرى الكتاب- في السؤال الذي بدأ صوغه في الغرب أولاً، بعد الحرب العالمية الثانية: من يؤرخ؟ وكيف يؤرخ للذين لا تاريخ لهم (المقصود هنا من لا تاريخ مكتوب لهم) أي للذين عانوا وشردوا وخضعوا للعذابات أو للذين قاوموا.
بعد الحرب العالمية الثانية جمعت الشهادات الشفوية ممن عاصروا الحرب، بمعاركها ومآسيها ومهازلها وعذاباتها وقصصها وبطولاتها، في أوروبا والولايات المتحدة، وأرشفت هذه الشهادات ووثقت ليستخدمها المؤرخون المحترفون لاحقاً، أو أنها نشرت مباشرة في صيغة مذكرات وروايات وقصص وانطباعات وأفلام.
*مصدر
في بلدان العالم الثالث وفي مرحلة الاستقلالات الوطنية في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، دخلت – كما يوضح الكتاب- الشهادة الشفوية مصدراً للإعلام والفضح والكشف والتعبئة، وفي الكتابة التاريخية أيضاً، وفي معترك حركات التحرر الوطني ضد الاستعمار دخلت الشهادة الشفوية أيضاً في صميم تشكيل الذاكرات الجماعية والهويات الوطنية ضد التذويب والاستلاب والاقتلاع والتأريخ للمعذبين تحت الاحتلال.
يشير الكتاب إلى أنه بدءاً من سبعينات القرن الماضي بدأت تهتز ركائز التاريخ الأكاديمي الذي كان ينغلق على نفسه عبر الكتب الصفراء وفي الأرشيفات القديمة والمكتبات المغلقة، فاخترق سحر التاريخ الشفوي أبواب نظام علم التاريخ وقواعده بوصفه فرعاً معرفياً صارماً، فاعترف به مصدراً من مصادر التاريخ ومكملاً لأوجه أخرى من التاريخ المعاصر أو التاريخ الراهن.
*علم جديد
كانت الشهادة الشفوية وبتأثير المنهج البنيوي الذي يعتمد الملاحظة والحوار المفتوح وتلقي خطاب الآخر مصدراً أيضاً لدراسة الأرياف والقرى والفلاحين والعمال والأحياء المهمشة في المدن، ودراسة أحوال المعاقين والأطفال والنساء والسود والمهاجرين، بهذا تكون علم جديد أطلق عليه مصطلح «الإثنو تاريخ» حيث يتكامل العلمان (التاريخ والإثنولوجيا) في دراسة الجماعات والهويات والذاكرات وأداتهما المعرفية هي التاريخ الشفوي باعتباره أفضل معبر عن العواطف الصامتة والأفكار المكبوتة والمواقف الممنوعة أو المحاربة من الفكر السائد أو التاريخ السائد.