باتت العروض التي تنهض على روافع فلسفية ونفسية تجد إقبالاً من الجمهور لكونها تقترب كثيراً من التعبير عن الواقع الإنساني الذي تعيشه البشرية في العصر الحديث، حيث نجحت الكثير من الأعمال النفسية في عكس حالة القلق والإرهاق النفسي واللجوء إلى العزلة، ولعل العديد من المسرحيات الإماراتية توجهت نحو هذا الاتجاه في سياق التجريب والانفتاح على التيارات الجديدة.
البحث عن المعنى في زمن الانعزال هو العنوان العريض الذي عكسته مسرحية «عزلة»، لفرقة جمعية دبا للثقافة والفنون، تأليف: حمد الظنحاني، وإخراج: إبراهيم القحومي، والتي عرضت في الدورة 15 لمهرجان دبي لمسرح الشاب الذي تنظمه هيئة الثقافة والفنون في دبي، حيث جاء العمل حافلاً بالمتعتين الفكرية والبصرية، منذ لحظة النص وحتى الرؤى الإخراجية التي وضعها القحومي، فالعمل في بعده النصي يتحدث عن قضية العزلة والابتعاد عن البشر في واقع حياتي ملتبس تكاد تنسحب فيه الحياة الاجتماعية بالكامل، لتحل مكانها الفردية والتشظي بكل أشكاله واغتراب الإنسان عن واقعه بل وعن ذاته وجوهره، وفي وسط هذه الصمت في حياة الاعتزال، يعلو صخب الذات ومواجهة المرء لنفسه، حيث تتغير نظرته للأشياء من حوله، ولعل اللافت في النص تلك الحالة الشاعرية التي عبرت بصورة عميقة عن موضوع العمل.
وفي حكاية العمل، تبرز ثلاث شخصيات رئيسية يمثل كل واحد منها حالة نفسية ووجدانية وفكرية، يعبرون معاً عن الذات البشرية بكل تناقضاتها وأوجاعها وأحلامها وطموحاتها التي تصطدم بالواقع فتلجأ للانكفاء، لعلها في معتزلها هذا تجد معنى جديداً للحياة، والأول ـ وهو البطل الأساسي في العمل ـ ساحر يستعين على أمر عزلته بتعويذات وكلمات مبهمة يحاول أن يحتمي بها من صخب العالم، والثاني مهرج هو النقيض لحالة الساحر الغامضة، وهذا المهرج يعمل على الدوام على إحداث الصخب، ليؤكد لنفسه وللآخرين أنه طالما أن هناك أصواتاً وحركة فإن هناك حياة، ليتحرك المهرج في خشبة المسرح كداعية للأمل وباحثاً عن معاني الأشياء، فيما يبرز دور الثالث وهو الجوكر، شخصية محايدة ما بين الاثنين فهو يريد أن يجمع ما بين العزلة وبعض الحياة الجماعية، والصمت وقليل من الثرثرة.

*أسرار العالم


وما بين هؤلاء الثلاثة تتكشف أسرار العالم، حيث يعكس كل واحد منهم معنى مختلف عن الحياة التي هي في الأساس تتشكل من هذا الاختلاف، وفي حواراتهم معاً وكذلك في صمتهم تتفجر الأسئلة الوجودية الصعبة والعميقة التي لا يهتم العمل بإيجاد حل لها بقدر ما يوضح أنها تساؤلات تعبر عن واقع حقيقي معيش، وعن رغبة في أفق يبدو بعيداً متوارياً خلف ظلال غير مرئية، ويحدث جدال متقطع بين الأبطال الثلاثة، ويعانق العمل في بعده الفكري العديد من التيارات الحديثة ففي بعض المواقف يجنح نحو الرمزية والسريالية وفي أخرى يميل نحو العبث من خلال فكرة انتظار اللاشيء والحوارات المتقطعة غير المكتملة والواقع المتشظي الذي يدور في فضاء غير محدد من ناحيتي المكان والزمان، ليحمل العمل في رؤيته الفلسفية فكرة الصراع بين النظام والفوضى والمعنى والعبث وهكذا ثنائيات حكمت مسار العمل.

*دلالات


يبدو أن النص قد كتب بشكل خاص للعرض، ولعل ذلك الأمر يبدو واضحاً من خلال اعتماد النص على الرموز والعلامات بشكل كبير، وجاء مقتصداً في حمولته السردية الأمر الذي سهل مهمة إبراهيم القحومي وصعبها في ذات الوقت، حيث كان أمام المخرج مهمة تحويل الرمزيات والعلامات إلى دلالات ومشاهد بصرية، وهو الأمر الذي أفلح فيه خاصة في توظيفه المبتكر لعناصر السينوغرافيا من خلال استخدام الإضاءة بتشكيلات متباينة بحسب الحالة النفسية والمشهدية، وعمل المخرج نحو توظيف الإسقاط والبقع الضوئية في الكثير من الأحيان، كما عمل على تعميق الحالة السريالية والعبثية والشعور بالتشظي والوحدة والعزلة من خلال توظيف قطع الديكور بشكل يظهر فيه الإهمال حيث تناثرت القطع هنا وهناك، مع التركيز على دلالة كل مفردة من مفردات الأثاث والديكور.
ولعل تلك الحالة أراد من خلالها القحومي التعبير عن الفوضى الداخلية لأبطال العمل وشخوصه، كما لعبت الإضاءة دوراً كبيراً في تعزيز كل ذلك من خلال الألوان المختلفة التي استخدمت لصناعة مشاهد غائمة وغير واضحة في بعض الأحيان ليسرب إلى القارئ إحساس أنه يشاهد حلماً بكل تفاصيله الكابوسية والسعيدة، وعمل المخرج على تمرير بعض الحالات الصعبة من خلال توظيف قليل من الفكاهة التي تخدم فكرة العمل، وكان للموسيقى حضورها الباهي في تفسير العديد من الحالات المشهدية. اللافت في تلك الحلول والمقاربات الإخراجية التي وفرها القحومي، هو تعبيره المميز عن حالة العزلة من خلال توظيفه لفكرة مسرح داخل المسرح، حيث تضمنت الخشبة الرئيسية التي ظهرت كبرواز، خشبة أخرى صممت بطريقة خاصة، من أجل تعميق حالة الانعزال والحياة الخاصة التي يعيشها فرسان العمل الثلاثة، وتم تقسيم هذه المساحة داخل الخشبة بحيث تتحرك فيها كل شخصية بأفكارها وحواراتها الداخلية.
وربما لم يكن لكل ذلك الجهد التأليفي والإخراجي البديع أن يكلل بالنجاح، لولا الطاقات التمثيلية الكبيرة التي تفجرت وأعلنت عن نفسها من خلال حركة الممثلين الذين قدموا أدائية عالية وجدت تجاوباً من الجمهور.