الخليج ،صحيفة يومية تصدر عن دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر بمدينة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، أنشئت عام 1970 على يد الشقيقين المرحومين تريم عمران تريم وعبدالله عمران تريم | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
علاء الدين محمود
كاتب
أحدث مقالات علاء الدين محمود
21 أبريل 2026
لماذا نقرأ الشعر؟

ما من نمطٍ إبداعي أقرب إلى الوجدان من الشعر؛ فعلى الرغم من ازدهار الأشكال الأدبية الأخرى كالسرد وتصدّرها للمشهد القرائي، إلا أن القارئ دائماً ما يتلفّتُ إلى بيتٍ احتضنته قصيدة، أو مشهدٍ صاغه شاعر. إنه ينقّب عن كلمات الشعر حتى داخل الرواية أو القصة، ويفتش عن الحالة الشعرية في العرض المسرحي، أو الفيلم السينمائي، أو حتى في اللوحة التشكيلية، وكأنه الأساس الذي يجب أن تُبنى عليه بقية الفنون والآداب. والواقع أن كل هذه الأنواع الإبداعية تبنّت أدوات الشعر منذ ظهورها، ولا يزال بعضها يفعل ذلك.

وفي ما يبدو، نحن نقرأ الشعر لأنه اللغة الوحيدة التي تجرؤ على تسمية ما لا يُسمى، وهو الملاذ الذي نجد فيه أنفسنا حين تخذلنا الكلمات العادية؛ نقرأه لنعرف أننا لسنا وحدنا في شعورنا. هو «بحث عن الحقيقة» بوسائل جمالية، نجد فيه تفسيراً لدهشتنا، وحزناً مصاغاً بكرامة، وفرحاً يرتدي حلة من خلود.

نحن نقرأ الشعر لأنه دوحةٌ في عالمٍ يمور؛ فالعالم اليوم ماديٌّ، سريعٌ، ومنفعي، بينما الشعر «بطيء» ومتأمل. يظل الشعر تلك الواحة لأنه يقاوم «التسليع»؛ فهو المنطقة التي لا يمكن قياسها بالأرقام أو بيعها كسلعة، بل هو مساحة للحرية الروحية والجمال الخالص وسط صخب المادة. فالشعر هو الطريقة التي يحاول بها الإنسان ترميم العالم كلما انكسر، وعبره نعيد صياغة الوجود؛ فهذا الإبداع هو المختبر الروحي الذي يأخذ الواقع الصلب ويحوله إلى رؤى مرنة قابلة للتأويل. إن الشعر يكسر «العادة»؛ إذ إن الأشياء التي نمر بها يومياً دون اكتراث، كغروب الشمس أو فنجان القهوة، يعيد الشعر صياغتها لتصبح أحداثاً كبرى ومواضيع للتأمل، مما يجعل العالم يبدو متجدداً لا رتيباً.

وفي عالمٍ يمور بالاضطرابات، يعيد الشعر صياغة الألم؛ فالقصيدة لا تمحو الجرح، لكنها تجعل منه رمزاً للصلابة. وعندما يضيق الواقع، يفتح الشعر آفاقاً استشرافية؛ فهو لا يرضى بالهزيمة أو يبرر الواقع، بل يصوغ عبر الاستعارة والخيال عالماً «يوتوبياً» يمنح البشرية القوة، ويرمم الوجود؛ فالمكان الذي يلمسه الشعر لا يعود مجرد جغرافيا، بل يصبح تاريخاً وشعوراً وذاكرة.

إذن، فقراءة الشعر هي أخطر أنواع المغامرات؛ لأنها ليست نزهةً بين الكلمات، بل هي رحلةٌ استكشافيةٌ في «المناطق غير المأهولة» داخل أنفسنا وحولنا. فعندما تبدأ بقراءة قصيدة، فأنت لا تعرف أين ستنتهي بك؛ قد تبدأ بوصف وردة، ثم تجد نفسك فجأةً في مواجهة تساؤلاتٍ وجوديةٍ كبرى عن الحياة والموت والزمن. فالشعر يلقي بك في لُجّة المعنى، ويتركك وحيداً أمام أمواج الأسئلة.

[email protected]

18 أبريل 2026
لغة العزلة

في هذا الزمن الذي يتسيده الانفجار الرقمي الناتج عن ثورة التكنولوجيا والمعلوماتية ومواقع التواصل الاجتماعي، أضحت الرموز التعبيرية، أو ما يعرف ب«الإيموجي» هي العملة المتداولة في سوق المشاعر الإنسانية المتقشفة، وتحولت تلك الوجوه الصفراء الجامدة إلى لغة بديلة تختزل أعقد خلجات النفس البشرية في بضع «بكسلات» ملونة، ما يطرح تساؤلات وجودية حول ماهية التواصل في عصرنا الحديث.

وبدلاً من أن تكون هذه الرموز جسراً للعبور نحو الآخر، صارت في جوهرها جداراً سميكاً من العزلة المقنعة، يتحرم الفرد من لذة الكلمة ومنطق الحوار، لنتحول تدريجياً إلى كائنات صامتة تعبر عن وجودها بضغطة زر، وتختصر آلامها وآمالها في أيقونات تفتقر إلى حرارة الأنفاس ورعشة الصوت. هنا تكمن الجريمة الكبرى في حق المعنى، فتغتال الدلالات اللغوية على مذبح السرعة والاختزال.

ووفقاً لهذه الرموز، تصبح العبارات التي كانت تهز الوجدان مجرد صور مكررة تفقد قيمتها بمجرد إرسالها، فالحب الذي كان يُبنى بالقصائد والرسائل المملوءة بالشجن، صار قلباً أحمر صغيراً ينبض في فراغ الشاشة. والاعتذار الذي كان يتطلب مواجهة وانكساراً، صار وجهاً حزيناً لا يملك من أمره شيئاً. إننا نعيش عصر \'السيولة المشاعرية\'، على طريقة باومان في وصفه للحداثة ب\'الحداثة السائلة\'، إذ تذوب الروابط المتينة، وتتحول إلى علاقات هشة عابرة يحكمها \'الإيموجي\' الذي يعمل كأداة للتخدير الاجتماعي.

إنَّ تشظي العلاقات الاجتماعية اليوم ليس إلا نتيجةً حتمية لهذا الاستسهال التعبيري، إذ تلاشت الحميمية وانسحب الإنسان من الفضاء العام إلى عزلته الرقمية المريحة، مكتفياً بإرسال إشارات ضوئية لزملائه في \'السجن الكبير\'. وبذلك، يفقد الإنسان تدريجياً قدرته على فك شفرات المشاعر لدى الآخرين، ويتحول المجتمع إلى جزر منعزلة تتواصل عبر شيفرات بدائية تشبه في جوهرها نقوش الكهوف، لكنها تفتقر إلى صدقها وفطرتها. ليبقى السؤال معلقاً في أفق هذا التيه الرقمي: هل نحن بصدد ابتكار لغة عالمية جديدة، أم أننا نشهد مراسيم جنازة المعنى الإنساني الذي تشكل عبر آلاف السنين من الاجتهاد اللغوي والتواصل الروحي العميق؟

إنَّ الإيموجي ليس مجرد أيقونة، بل يحمل دلالة خطِرة على عدم تحمل مسؤولية الكلمة والتواصل الحقيقي، فبينما نظن أننا نبتكر لغة عالمية توحدنا، وجدنا أنفسنا نغرق في عزلة اختيارية، حيث تتشظى المعاني وتتلاشى الروح خلف بريق الشاشات الباردة. ليبقى التواصل الحقيقي مرهوناً بالعودة إلى اللقاء المباشر، بكل ما يحمله من دفء ومقدرة على تعبيرٍ لا يمكن لأي وجه أصفر جامد أن يختصره أو يمنحه الحياة، مهما بلغت دقته.

17 أبريل 2026
التشكيل والروبوت

يجري جدل كبير، في منتديات ولقاءات فنية، حول الفنون التشكيلية في أزمنة الذكاء الاصطناعي، وظلت الفكرة تطرح الكثير من الأسئلة حول كيفية الاستفادة من الثورة الرقمية في المجالات الإبداعية؛ وهل بإمكان الروبوت أن يقوم بمهمة الرسم بشكل مبدع ويصنع أعمالاً ولوحات غنية بالدلالات والمعاني إلى جانب الأبعاد الجمالية؟ والواقع أن الذكاء الاصطناعي أحدث تحولاً جذرياً في الفنون التشكيلية، بحيث لم يعد مجرد أداة تقنية يوظفها الفنان، بل أصبح شريكاً إبداعياً.
هذا التحول الكبير خلق مزيجاً بين الريشة التقليدية والرقمنة، ما أدى لظهور تيارات ومجموعات فنية جديدة تعتمد على الخوارزميات والبيانات الضخمة؛ عبر استخدام برامج معينة تعمل على صناعة لوحات بصرية معقدة. كما ساهمت التكنولوجيا الرقمية في تسريع عملية التشكيل وجعلها أكثر دقة، مع ظهور خامات افتراضية جديدة لم تكن متاحة للفنان التقليدي. ولم يقتصر الأمر على اللوحات الرقمية، بل امتد ليشمل النحت والأعمال الفنية الدقيقة الأخرى. 
وتثير تقنية الذكاء الاصطناعي كذلك نقاشات واسعة حول أخلاقيات الجمال والعلاقة بين الإنسان والآلة؛ فالخبراء يؤكدون أن الروبوت أو الذكاء الاصطناعي يفتقد إلى المشاعر الضرورية والرؤية الفكرية اللازمة لإنتاج عمل فني محمل بالمعاني والدلالات، فيما يشير فنانون إلى أن الآلة لا تصنع إبداعاً من العدم، بل هي وسيلة لتوسيع البصمة الفنية للفنانين الجدد وتطوير مهاراتهم.
ولعل الدور الحاسم للذكاء الاصطناعي في العملية الإبداعية في مجال الفنون التشكيلية هو أنه يمنح الفنانين قدرات في المعالجة البصرية؛ فهو وسيط فني جديد تماماً كما فعل فن «التصوير» الذي لم يلغِ الرسم، بل دفعه نحو التجريدية والبحث عن مسارات جديدة. لكن بطبيعة الحال، فإن المتوجسين يرون أن الذكاء الاصطناعي يهدد «فرادة» العمل الفني؛ فسهولة الإنتاج الكمي قد تؤدي إلى تسطيح الذائقة الجمالية، كونه يفتقر إلى التجربة والمعاناة الإنسانية التي تمنح اللوحة قيمتها الجمالية. فالذكاء الاصطناعي يتفوق في خلق «جماليات بصرية» مذهلة وتراكيب لونية معقدة تحاكي أعظم المدارس الفنية «سريالية، تكعيبية، انطباعية»؛ وهو قادر على رسم لوحة تبدو «عميقة»، لكن في حقيقة الأمر فإن كل المعاني والجمال في اللوحة هي انعكاس لبيانات بشرية سابقة تدرب عليها.
الواقع أن الذكاء الاصطناعي «يُجمّع» ولا «يشعر»؛ فهو يولد صوراً بناءً على احتمالات إحصائية لما نعتبره نحن «جميلاً» أو «دلالياً»، ولعل الغنى الدلالي في لوحات الذكاء الاصطناعي غالباً ما يسقطه المشاهد البشري عليها. فنحن من يقرأ المعنى في الأشكال التي تولدها الخوارزمية، مما يجعل الذكاء الاصطناعي بمثابة «مرآة» للوعي البشري أكثر من كونه «صانعاً» مستقلاً للمعاني.

[email protected]

15 أبريل 2026
صـالح كـرامـة: القصـة القصيـرة باتـت عـبـئاً

هيمن السرد القصير على سنوات مضت من القرن العشرين؛ فكان خلالها هو الفن الذي يعبر عن الواقع ويرصد المتغيرات الاجتماعية منذ الخمسينيات وحتى تسعينيات القرن الماضي. 
لكن نوعاً من التراجع أصاب معاقل هذا الإبداع الذكي ؛ فهل من عودة؟.
يُعد الكاتب «صالح كرامة» من أبرز كتاب القصة، وقد ظل وفياً لهذا الإبداع. وفي هذه الحوار معه، يؤكد كرامة أن القصة القصيرة هي «اختبار الذكاء الأقصى» بين الكاتب والقارئ.  
يؤكد كرامة أن مسألة تراجع الإقبال ليست ضعفاً في البناء القصصي، بل هي انعكاس لـ«عصر الترهل»؛ حيث فقد القارئ المعاصر القدرة على التقاط الإشارات السريعة والرموز المكثفة، وبات يفضل «الاسترخاء» في عوالم الرواية الفسيحة التي تشرح كل شيء ولا تترك للخيال إلا القليل.
وبحديثٍ لا يخلو من روح التحدي يقول كرامة: «مازلت أكتب القصة القصيرة وسوف أستمر، وأشارك الآن في عدد من الأنشطة المتعلقة بها، منها جائزة (غانم غباش للقصة القصيرة)، والتي يشارك فيها عدد من الكتاب الجدد والقدامى؛ لعل ذلك النشاط يعيد بعضاً من الألق والرحيق».


عبث


ينتقد كرامة غرق بعض القاصين في «التجريب العبثي» والغموض، ما جعل القصة «أحجية مستعصية» لا تهم إلا كاتبها، ويرى أن استعادة القارئ تتطلب العودة إلى «جوهر الحكاية» مع الحفاظ على التكثيف. وضرورة كسر التكنيك الكلاسيكي، والتخلي عن «الراوي العليم»، وتبني التجريد وسيادة الرمز.
ويرمي «كرامة» ببعض اللوم على دور النشر التي ظلت تستقبل المنتج القصصي بنوع من البرود، بل ويقترحون على الكتاب، في بعض الأحيان، تحويله إلى رواية لضمان التسويق؛ هذا «التسليع للأدب» قتل روح المغامرة لدى الكتاب الشباب، وجعلهم يلهثون وراء الحشو اللغوي لزيادة عدد الصفحات، ظناً منهم أن الضخامة هي معيار القيمة، بينما تظل القصة هي «الجوهرة المصفاة» التي لا تحتاج إلى زخارف زائدة.
وفي ذات سياق الحديث عن «النشر»، ذكر كرامة أن المجلات الثقافية كانت ولا تزال هي الملاذ الأخير الذي لا يزال يحترم خصوصية القصة القصيرة. ويرى أن المجلة، بطبيعتها التي تعتمد على التنوع والاختزال، هي البيت الطبيعي لهذا الفن؛ فهي الرئة التي يتنفس منها القاص بعيداً عن شروط دور النشر التعجيزية التي ترفض طباعة المجموعات القصصية المستقلة، فالمجلة تتوافر فيها شروط النقد والنشر، وهي بذلك تقي من الفوضى الكبيرة التي عمت فن القصة مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي التي عملت على خلط المفاهيم والإبداع.
يستمر كرامة في تناول وضع القصة في زمن مواقع التواصل الاجتماعي، وتراجعها في عصر الاختصار، واصفاً الوضع بـ «المفارقة المأساوية». فهو يرى أنه من المفترض منطقياً أن تكون القصة القصيرة هي «سيدة المشهد» في زمن الـ (تيك أواي)، إلا أن الواقع يثبت العكس تماماً، لكن تفسير ذلك يكمن في أن ثقافة الاختصار الحديثة هي ثقافة «تسطيح» لا ثقافة «تكثيف». فالقارئ الذي اعتاد على سرعة «التيك توك» وتغريدات «إكس» المقتضبة، يبحث عن المعلومة السهلة التي لا تبذل جهداً في فهمها، بينما القصة القصيرة، رغم قصرها، هي «كتلة صلبة من المعاني» تتطلب مجهوداً ذهنياً مضاعفاً. 
ويدفع كرامة بأن الناس في عالم اليوم يهربون إلى الروايات الضخمة ليس حباً في القراءة فقط، بل رغبةً في الاستسلام لسرد انسيابي يملأ وقتهم دون أن يطالبهم بتأويل الرموز أو فك الشفرات. فالقصة القصيرة هي «اختصار عميق»، بينما ثقافة العصر هي «اختصار سطحي»، ومن هنا نشأت الفجوة؛ حيث أصبحت القصة عبئاً على كاهل جيل يطارد السرعة، لكنه يخشى العمق.


تمرد 


بشكل أكثر وضوحاً يشدد كرامة على أن القصة القصيرة ترفض أن تكون «وجبة سريعة»، وتراجعها لا يعبر عن هزيمة، بل هو «فعلٌ تمرديٌ» بامتياز. فالقصة ترفض بشدة أن تتورط في أن تكون مجرد خادمة لثقافة «الاستهلاك» أو أن تتحول إلى «تيك أواي» أدبي يرضي غرور السرعة الزائفة، فهي بطبيعتها المكثفة، تأبى أن تكون «كبسولة» سهلة الهضم؛ لذلك يصبح غياب القصة عن قوائم «الأكثر مبيعاً» هو شهادة جودة فهي «فن النخبة الذهنية» التي ترفض الانصياع لمنطق السوق، مفضلةً أن تظل كنزاً مخبأً لمن يقدر قيمة «الجوهر» على حساب «الحشو»، وللذين يدركون أن أثمن الأشياء هي دائماً تلك التي تأتي في أحجام صغيرة، لكنها تزن جبالاً من المعاني.
ويرى كرامة بأن فن القصة يعيش اغتراباً اختيارياً؛ فبينما تتصدر الروايات الضخمة واجهات المكتبات وقوائم الجوائز، تراجعت القصة القصيرة إلى الظل، وكأنها ترفض الانخراط في صخب «الثرثرة السردية» ريثما تصفو سماء الثقافة من ذلك الحشو؛ فرغم سطوة الرواية، تظل هناك حقيقة تفرض نفسها بين سطور القلق الأدبي: وهي أن القصة القصيرة ليست مجرد جنس أدبي عابر، بل هي «ديوان الحياة المعاصرة» بامتياز. ففي زمن يلهث خلف السرعة، تظل الحاجة إلى «الدهشة المختصرة».

10 أبريل 2026
ماجدة المازم.. رحلة عامرة بالألق

تتنوع الإبداعات الخطية الإماراتية، سواء على مستوى الأساليب والمواضيع أو من حيث توظيف الخطوط، وهو أمر أنتج الكثير من اللوحات التي تقف شاهدة على قدر كبير من البراعة في صناعة تكوينات ومشهديات بصرية مميزة من الناحية الجمالية، ومحرضة في ذات الوقت على التأمل الذهني.
تُعد الخطاطة الإماراتية ماجدة سليم المازم واحدة من أبرز الخطاطات اللاتي أنتجن لوحات وتكوينات محتشدة بالرؤى الجمالية، وفق أسلوبية يتجلى فيها الإتقان الهندسي، والقدرة على تطويع الحروف الصعبة لتنساب داخل التكوين من دون إخلال بالقواعد التقليدية للخط، والتي ظلت الفنانة ملتزمة بها بشكل كبير في لوحاتها التي تتسم بالتوازن البصري، إذ تظهر أعمالها توزيعاً متوازناً للكتلة والفراغ، وذلك يعود لخبرة الفنانة وتجربتها الطويلة مع الحرف العربي.
ولعل من أجمل اللوحات التي اشتغلت عليها الخطاطة، تلك التي تحمل نصاً قرآنياً، وهي الآية (137) من سورة البقرة: «فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ»، وهي آية تحمل دلالات ومعاني عظيمة تبيّن قدرة الله تعالى. ومن هذا المنطلق، عملت الفنانة على صناعة لوحة تعبر عن عظمة النص ومضامينه السامية، وذلك ديدن ماجدة التي عُرف عنها ابتكار لوحات تستقي مادتها من القرآن الكريم، والحديث الشريف، والحكم المأثورة، والأشعار، مع توظيف الخطوط الكلاسيكية التي تراها مَعِيناً جمالياً لا ينضب ومتجدداً مع الزمن.كُتبت اللوحة بخط الثلث الجلي، ونجحت الخطاطة في صناعة شكل هندسي دائري، وهو من أصعب القوالب في فن الخط، فالدائرة هنا ليست مجرد إطار، بل هي رمز للانهاية والكمال. استطاعت المازم أن تجعل الحروف تنساب بحرية داخل هذا الحيز الضيق، حيث تترابط كلمات (فسيكفيكهم) في الجزء العلوي لتمثل سقفاً للوحة، بينما تستقر لفظة الجلالة (الله) في القلب كمركز ثقل بصري وروحي. واللوحة تقف شاهدة على البراعة في صناعة التوازن، إذ قامت الخطاطة بملء المساحة الدائرية بالحروف والتشكيلات بالكامل، بجمالية عالية تنم عن مقدرة وتجربة إبداعية.

مشهدية


نجحت الخطاطة في صناعة مشهدية بصرية عالية المستوى، ويتجلى تميز الأسلوب الذي اتبعته في استغلال المرونة العالية لخط الثلث. وبإمكان المشاهد أن يلاحظ «الألفات» الصاعدة التي تمنح اللوحة شموخاً، تقابلها «النونات» و«الراءات» المرسلة التي تعطي التكوين قاعدته الدائرية الرصينة، هذا التضاد بين الاستقامة والانحناء يخلق إيقاعاً بصرياً يشبه الحركة التوجيهية للعين، إذ تبدأ القراءة من اليمين وتدور مع انسيابية الحروف لتكتمل الدورة في الأسفل بدقة إبداعية متناهية، تُسرب إلى نفس المشاهد الطمأنينة والجمال، وكأن الخطاطة تصحبه في رحلة روحية عامرة بالألق.

ملء الفراغات


لعل من أبرز الأبعاد الجمالية في هذا العمل توزيع التشكيل «الحركات الإعرابية والزخرفية». لم تترك الخطاطة فراغات «ميتة»، بل وظفت حركات الفتحة والضمة والسكون، بالإضافة إلى «الرتوش» الجمالية، لملء الفراغات البينية. هذا الامتلاء يجعل اللوحة تبدو ككتلة واحدة متماسكة ومتجانسة، ما يوحي بشكل مباشر بقوة الوعد الإلهي: «فَسَيَكْفِيكَهُمُ»، إذ عملت الخطاطة على إبراز الوحدة الموضوعية بين جماليات التكوين الخطي وعظمة النص القرآني.إن استخدام اللون الأسود الصرف على خلفية صفراء فاتحة يعيدنا إلى جوهر الخط العربي الكلاسيكي، حيث لا تشتت الألوانُ العينَ عن هندسة الحرف، فالخلفية الصفراء التي تمثل نقيضاً للأسود الداكن، تهدف إلى جعل المشاهد يركز على النص وجمالياته دون أن يشغله شيء آخر.
تعبر اللوحة عن حالة من الصمت التأملي، فالجمال هنا نابع من الفعل الإبداعي الذي سكبته الخطاطة، وهو ما يعكس المنهج الأكاديمي الرصين الذي تتبعه المازم في الحفاظ على أصالة الفن الإسلامي. إن اللوحة رحلة بصرية تبدأ من «الفاء» المفتوحة وتنتهي عند «العليم» المستقرة، وبين السطور تبرز مهارة فنانة استطاعت أن تحول الحبر والورق إلى فضاء من الجلال والجمال.

9 أبريل 2026
أبطال الخشبة الجدد

ظل المسرح المعاصر يشهد تغييراً جذرياً في بنيته الجوهرية مع صعود التيارات التجريدية، التي أعادت صياغة مفهوم العرض من مجرد محاكاة حرفية للواقع إلى منظومة تعتمد على العلامات والرموز، ليكون الفضاء المسرحي مختبراً للتأويل بدلاً من كونه مرآة عاكسة للحياة اليومية كما كان سائداً في السابق. فعندما كان المسرح يحاول تقليد الواقع كان يكتفي بالنقل، أما مع طغيان الرمز والتجريد، أصبح «أبو الفنون» يوحي ولا ينقل، فالخشبة تحولت من «مكان مادي» إلى «فضاء ذهني»، إذ إن العرض لم يعد يهتم ب«ماذا يحدث؟»، أي الحبكة الظاهرة، بل يذهب مباشرة إلى المعنى الضمني.
وهذا التوظيف للرمز والعلامة نقل المسرح من تجربة بصرية إلى فعل يضع المشاهد في مواجهة مباشرة مع الأسئلة الوجودية، من خلال اختزال الديكورات الضخمة واستبدالها بقطع بسيطة، ما منح الخشبة أبعاداً جمالية وفلسفية تتجاوز حدود الجدران الأربعة. وتتجلى الأبعاد الجمالية لهذا التحول في قدرة المخرج على تطويع الإضاءة والكتلة والفراغ، لتصبح لغة درامية قائمة بذاتها تتفوق أحياناً على النص الأدبي المنطوق، إذ لم يعد الكرسي مجرد أداة للجلوس، بل علامة دالة على الوحدة، أو السلطة، أو الانتظار، بناءً على تموضعه وتفاعل الممثل معه.
ولعل ذلك الاختزال البصري حرّر خيال المتلقي، ومنحه فرصة لبناء عالمه الخاص داخل العرض، ما يجعل الجمالية المسرحية نابعة من «اقتصاد الأدوات وفائض المعنى»، وهو ما يعزز من شاعرية الخشبة ويحولها من فضاء جغرافي محدود إلى فضاء كوني مفتوح يتسع لكافة التأويلات الإنسانية. كما يصنع مساحة واسعة لتفعيل خيال المتلقي، وبالتالي تعميق مفهوم التلقي نفسه، وهو ما يعدُّ تغييراً كذلك في الوعي والذائقة المسرحية لدى الجمهور.
أما على الصعيد الفلسفي، فإن تجريد المسرح يعكس الرغبة في النفاذ إلى جوهر الأشياء بعيداً عن قشور المادة، إذ يرى خبراء المسرح أن التكثيف هو وسيلة لتعرية النفس البشرية، وكشف الصراعات الداخلية التي لا تستطيع اللغة المباشرة التعبير عنها، ما يحول العرض إلى ملحمة بصرية ومشهدية تبحث في كينونة الإنسان وعلاقته بالكون والوجود، بعيداً عن قيود الزمان والمكان الواقعيين. وهذا التوجه الفلسفي يكرس مفهوم المسرح كفعل «تنويري» يدفع الجمهور نحو التفكير النقدي وفك شفرات العرض، بدلاً من الاستغراق في الاندماج العاطفي السطحي. لقد أصبحت العلامات والرموز بمثابة «الأبطال الجدد» في المسرح المعاصر، بل إنها في كثير من العروض الحديثة سحبت البساط من «البطل التقليدي» «الممثل المشخص» ومن «النص الأدبي»، إذ تحولت عناصر السينوغرافيا إلى فعل درامي يغير مسار العرض.

[email protected]