عادي
صدر في الشارقة

«قشرة الجوزة».. شمعة الحقيقة في مواجهة النسيان

23:55 مساء
قراءة 5 دقائق

على طريقة «هاملت»، رائعة وليم شكسبير، يصوغ الكاتب إيان مكّيوان تفاصيل عمله السردي «قشرة الجوزة»، الذي صدر عربياً في طبعته الأولى عام 2022، عن دار روايات إحدى شركات مجموعة كلمات في الشارقة، بترجمة إيمان أسعد، حيث يلتقط الكاتب لحظة فكرية معينة من سفر شكسبير الخالد ليشتغل عليها ويحشدها بالرؤى الفكرية ويزودها بالمقترحات الإبداعية.
ذلك هو سر توهّج هذه الرواية التي تسافر بالقارئ في رحلة داخل ذاته ليكتشف الكثير من الحقائق والتفاصيل، فبعض المواقف التي يتعرض لها الإنسان تظل مقيمة في الذاكرة تغالط النسيان ويتكون على طبقاتها المتعددة جرح لا يندمل، ليسكن في مسارب اللاوعي ويكون له أثره في حياة أي فرد.. إنها رواية محتشدة بالعبارات التي لا يمل القارئ من ترديدها على غرار: «لم يُتقن أي طفل، فنّ الحديث القصير، إنه حيلةٌ للبالغين، عهدٌ بالملل والخداع» وأيضاً: «عندما يموت الحب وينهار الزواج، تكون أول ضحية هي الذاكرة الصادقة»، و«في مواجهة رياح النسيان المعاكسة، أريد أن أضع شمعة الحقيقة الصغيرة»، وكذلك: «كل الأدب والفن والمساعي الإنسانية ليست سوى ذرة في كونٍ من الأشياء الممكنة».
في هذه الرواية يعمد مكيوان كما هو شأن العديد من الكتاب المعاصرين المنهمكين بمعالجة القضايا والمواضيع التي يريدون أن يطرحوها، بالسفر بعيداً نحو مؤلفين ومبدعين سابقين ليمارسوا فعل استلهام أعمالهم واقتباس بعض من مقولاتهم وتضمين تعبيراتهم والتقاطاتهم للصور والمشاهد، فتجد أن نصوصهم معطرة بأريج أدباء بحجم وليم شكسبير أو مفكرين بقيمة نيتشه، وكأنهم يقيمون حجة أو منطقاً لا يتسرب إليه الشك، أو يلتمسون أبعاداً أكثر جمالية وإشراقاً.
خيانة
الرواية تتحدث عن قصة خيانة وغدر تعرض لها كاتب كبير اسمه «جون»، كان يعشق حبيبته التي هي زوجته «ترودي»، بولهٍ شديد جعله يكتب فيها أجمل قصائده الشعرية، كانت السعادة تظلل بيتهما في لندن، ذاك الذي أسساه بالمحبة والشعر وصدق المشاعر وهمسات الحنان، لكن فجأة يتبدل كل شيء عندما أقدمت ترودي على خيانة زوجها المحب مع رجل آخر يدعي كلود الذي كان شخصاً عادياً ليس مثقفاً مثل جون ولا قيمة له في المجتمع، وكانت الزوجة في الأشهر الأخيرة من حملها عندما ارتكبت عار الخيانة مع أقرب الناس إلى زوجها.
تأخذنا تفاصيل الرواية العجيبة إلى مشهد وحياة سرية أبطالها العشيق والزوجة الخائنة، حيث يظلان بدأب لوضع الخطط من أجل الاستيلاء على البيت والغدر بجون الزوج المصاب، وهما يظنان كل الظن أن لا أحد يستمع إلى أحاديثهما النتنة، لكن كان هناك متنصت عظيم يراقب كل شيء ألا وهو الجنين القابع في رحم أمه الخائنة، وذلك الخديج هو البطل الرئيسي للقصة الغريبة، فهو الشاهد والمتأمل والحكم، حيث إن هذا الجنين يبرز كشخصية هاملت، يستمع إلى تفاصيل الخيانة وخطة قتل والده وهو مقيد في ذلك الفضاء اللا متناهي يسبح داخل ذلك الرحم الذي هو بمثابة عالمه.
هاملت المختلف
هذه الرواية قد تكون غير مقنعة لبعض القراء، لكن مكيوان لم يكتب هذا النص العجائبي من أجل متلقٍّ عادي بل متسلح بالقراءات الفلسفية والمسرحية ومتشبع بالمعرفة، فالجنين ربما يكون راوياً غير مقنع، لكن الكاتب يعمّق من النظر إلى ذلك الخديج الذي يتمتع برؤية للعالم والوجود، فعندما يبدأ في الحديث والتعريف بنفسه وعالمه، يبدأ المتلقي في التعامل بجدية مع هذا الراوي ليمارس فعل الاستماع لقضيته أو مرافعته حول الحياة والغدر والخيانة، ولئن اعتمدت قصة «هاملت»، على الأشباح التي انتفضت وتحركت في فضاء الجريمة لتقوم بالانتقام، فإن وجود هذا الجنين هو أشبه بالوجود الشبحي لكائن لم يخرج إلى الحياة بعد.
صراع
ومن أجل تعميق الكاتب لهذه اللحظة والفكرة، فإن الرواية تكشف عن الصراع الذي يعيشه ذلك الجنين الذي لم يتبق له غير أسبوع أو أسبوعين ليعانق الحياة، فهو يتساءل عما إذا كان من المفترض أن يولد أم أن يموت، هل يبدأ ويصبح شبحاً لوالده الذي يريد العشيق أن يقتله ويحل محله، وكيف سيتعامل مع أمه، ليستمر ذلك الصراع الشكسبيري المجنون مسيطراً على الحكاية ومنتجاً للحواريات القوية والمشهديات العجيبة في حكاية مرعبة وكابوسية لا يعمل الكاتب فقط على تمرير حمولتها البائسة تلك، بل يغذيها تماماً بالمزيد من التفاصيل المأساوية.
والتشويق في الرواية يجعل القارئ في متابعة مستمرة لمصائر الأبطال، الأب المكلوم الذي يشبه ملك الدنمارك في حكاية هاملت، والزوجة الغادرة، والعشيق الخائن والجنين الذي هو بمثابة هاملت جديد في كل تفاصيله، فقد كان عليه هو أن يتحمل ثمن تلك الخيانة، وأن يتخذ موقفاً منها، هل ينتقم؟ أم يسامح؟ ماذا سيفعل؟ تلك هي الحيرة المنتجة للمزيد من الأحداث والتفاصيل في الرواية، لكن أعظم لحظاتها تظل تكمن في حديث ذلك الجنين عن عالمه الغريب الذي يزداد غرابة ووحشة كلما استمع إلى حديث المؤامرة وهو لا يقوى على فعل شيء داخل سجنه، وهو يقول: «أطرافي مُطوية بشدة على صدري، رأسي مُعلق في مخرجي الوحيد، أرتدي أمي كقبعة ضيقة»، فالكاتب ينقل إلى العمل كل تفاصيل عالم شكسبير من أحداث مأساوية إلى كوميديا قاتمة محتشدة بالغرائبيات.
كوابيس
ويجتهد الكاتب في ألا يخرج القارئ من هذا الواقع الكابوسي الذي رسمه بدقة وعناية، ولا من عالم شكسبير، بحيث إن المتلقي ينتقل من تشبيه الحكاية بقصة هاملت إلى حكايات شكسبيرية أخرى، فيخيل إليه في بعض المنعطفات أن علاقة العشيق والزوجة أشبه بعلاقة ماكبث بزوجته الليدي ماكبث، حيث إن خيوط الشر والطموح تحاصرهما حتى يكادا يختنقا بها، فهما يعلمان جيداً أن مصير كل واحد منهما متعلق بالأخر، ويستمران على تلك الحالة من المواجهة والصراع إلى أن يقض مضجعهما الشعور القاتل بالذنب.
أساليب
نجح مكيوان في تطريز قماشة سردية فريدة موشاة باللغة الملحمية الشاعرية النثرية، حيث الاستعارات البديعة والحبكة المختلفة، ولئن كانت الرواية في ظاهرها تبدو كقصة كلاسيكية عن القتل والخداع والغدر من خلال تتبع مسار الخطة التي يضعها العشيق والزوجة، إلا أنها ليست رواية جريمة بقدر ما هي قطعة فلسفية محتشدة بالتأملات والتفكير في المصير، إذ تعالج واقع الإنسان أمام كل ما هو مجهول، وذلك ما عمل المؤلف على تعزيزه من خلال سرديات فرعية تصبّ في القصة الرئيسية، وعبر رسم الشخصيات المقنعة والقوية التي تبقى في ذاكرة المتلقي، خاصة ذلك الجنين الذي لا يبدو كخديج بقدر ما أنه حكيم ومتأمل وواسع المعارف، يتفجر غضبه كلمات لامعة رنانة تبدو كخطبة لاذعة ضد العالم الذي لم يخرج إليه بعد، كما برع الكاتب في تكوين الصور والمشهديات بخيال عبثي مجنون.

اقتباسات
«الحاضر الذي لا يُؤخذ في الاعتبار يتلاشى من بين أيدينا».
«إذا حامت حولي آراء مزعجة سأحتاج إلى غرفة آمنة».
«التشاؤم سهلٌ للغاية، بل لذيذٌ أيضاً، وهو شعارُ المثقفين في كل مكان».
«نُثير أنفسنا بأفكارٍ مُظلمة في المسرحيات والقصائد والروايات والأفلام».
«مهما اقتربت من الآخرين، فلن تتمكن أبداً من الدخول إلى داخلهم».
«كنا رائعين، لكننا الآن محكوم علينا بالهلاك».
«قال كونفوشيوس: قبل أن تشرع في رحلة الانتقام، احفر قبرين. فالانتقام يُفسد الحضارة».

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"