ما يقوم به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإقالة حاكمة بنك الاحتياطي الفيدرالي، ليزا كوك، ليس مجرد إقالة شخصية بعينها، بل هي بمثابة مناورة إن نجحت فإنها قد تمثل تحولاً مزلزلاً في مؤسسة ظلت فوق السياسة على مدى عصور.
فمنذ توليه منصبه في يناير/ كانون الثاني وضع ترامب بنك الاحتياطي الفيدرالي في مرمى نيران السلطة التنفيذية، حيث انتقد مسؤولي البنك المركزي لعدم خفضهم أسعار الفائدة، وهدد بإقالة رئيسه جيروم باول، والآن اتخذ خطوة غير مسبوقة بمحاولة إقالة كوك.
من منظور ترامب، فإنه يسعى بذلك إلى إصلاح مؤسسة لم تكن تحظى بشعبية كبيرة وكثيراً ما تلام على التضخم الجامح الذي ضرب الولايات المتحدة في أعقاب جائحة كوفيد.
ويرى ترامب أن خفض أسعار الفائدة وسيلة للتعامل مع الدين الفيدرالي المتضخم وفي ذات الوقت يعزز سوق الإسكان الذي كان يُمثل توازناً لاقتصاد كان في حالة نموٍّ طبيعي.
التحكم في الاقتصاد
يمكن القول إن الأمر أكثر خطورة من مجرد أسعار الفائدة الثلاثة التي يتحكم فيها بنك الاحتياطي الفيدرالي.
فإن نجح ترامب في إقناع أغلبية الأعضاء في مجلس المحافظين بالتصويت بالطريقة التي يريدها، والأدلة في الوقت الحالي ضئيلة على قدرته على تحقيق مثل هذا الهدف، فسوف يمنحه ذلك القدرة على الوصول إلى أدوات رئيسية تتحكم في الاقتصاد وكذلك البنية التحتية المالية للبلاد.
ومثال على ذلك سيتمتع مجلس المحافظين المكون من 7 أعضاء بسلطة تنظيمية وتنفيذية على البنوك.
وعلاوة على ذلك في حين تحدد لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، المؤلفة من 12 عضواً، أسعار الفائدة الرئيسية على الأموال لليلة واحدة فإن المحافظين وحدهم يحددون سعر الخصم، المستخدم لإيجاد القيمة الحالية للنقود، والفائدة على أرصدة الاحتياطي، التي تدفع للبنوك لتخزين أموالها في بنك الاحتياطي الفيدرالي، كما تعمل كنوع من السياج لسعر الأموال. وأخيراً تصبح لدى المجلس القدرة على التحكم في إعادة تعيين رؤساء البنوك الإقليمية الإثني عشر، مع ظهور مجموعة من الأسماء في عام 2026.
وتتضمن هذه المسؤوليات دور بنك الاحتياطي الفيدرالي في ضمان سلامة نظام الخزانة والحفاظ على استقرار الدولار.
لذلك يمكن القول إن الأمر لا يقتصر على مجرد خفض أسعار الفائدة في سبتمبر. ويتخوف الخبراء القانونيون من أن ترامب إن نجح في ذلك فهذا يوحي بأن مجلس الاحتياطي الفيدرالي ليس سوى أداة ضغط، ما يعني ببساطة أن أي شخص يصل إلى البيت الأبيض يمكنه وضع السياسة النقدية.
أهداف سياسية
تقول إدارة ترامب إنها تؤمن باستقلالية بنك الاحتياطي الفيدرالي لكنها ترى أنها مؤسسة خرجت عن السيطرة وتحتاج إلى ضبطها.
ولكن الرئيس أقر بأنه سوف يختبر المرشحين لشغل المناصب الشاغرة في مجلس الإدارة لمعرفة مدى استعدادهم لخفض أسعار الفائدة، وكان في الماضي قد دعا إلى الحصول على رأي في قرارات أسعار الفائدة التي يتخذها الفيدرالي بجانب تدابير أخرى قد تعتبر تدخلات في المؤسسة المالية العريقة.
وبالفعل للرئيس ترامب حالياً عضوان مُعيّنان في المجلس، هما كريستوفر والر وميشيل بومان، وينتظر ستيفن ميران موافقة مجلس الشيوخ على تعيينه لشغل المقعد الشاغر باستقالة أدريانا كوغلر.
وفي حال استقالة باول في مايو/ أيار المقبل عند انتهاء فترة ولايته كرئيس للفيدرالي، فسيؤدي ذلك إلى شغور آخر، ما يمنح ترامب 5 مقاعد.
وقال جوزيف لافورجنا، الخبير الاقتصادي البارز خلال ولاية ترامب الأولى، والمستشار الحالي لوزير الخزانة سكوت بيسنت، إنه لا يعتقد أن ذلك يُقوّض استقلالية الفيدرالي بل إن الأمر يتعلق فقط بالحاجة إلى إعادة تقييم شاملة للنظام، وأن الرئيس ترامب يُمارس الأمور بطريقة غير تقليدية.
آراء مهنية
يقول خبراء القانون وخبراء السوق المالية وكذلك مسؤولو بنك الاحتياطي الفيدرالي (الحاليون والسابقون) إن تحركات ترامب لا تهدد فقط بجعل الفيدرالي مسيّساً بل من شأنها أيضاً أن تقوض الركائز الأساسية للنظام المالي الأمريكي.
فكلمة «مستقل» في حالة بنك الاحتياطي الفيدرالي مصطلح يُستخدم لوصف تحرره من النفوذ السياسي الخارجي في تحديد السياسة النقدية الأنسب للاقتصاد الأمريكي، وينطبق ذلك بشكل خاص عندما لا تلاقي قراراته ترحيباً من العامة، كما هو الحال عندما ترفع «لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية» أسعار الفائدة لخفض التضخم.
ويرى بعض القانونيين أن الأمور تسير على طريق سيؤدي إلى تراجع استقلالية البنوك المركزية، وهو أمر سينتج عنه فقدان الفيدرالي مصداقيته التي أمضى عقوداً في بنائها ما سيكون له تبعاته السلبية على صحة الاقتصاد على المدى الطويل.