في خطوة غير معتادة أثارت جدلاً عالمياً واسعاً، وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمراً تنفيذياً يقضي باستخدام تسمية جديدة لوزارة الدفاع الأمريكية، تُعرف بموجب القرار باسم «وزارة الحرب» – وهو الاسم الذي كانت تحمله هذه المؤسسة حتى عام 1947. ورغم أن التغيير لم يشمل النطاق القانوني الكامل – إذ إن الاسم الرسمي لا يزال «وزارة الدفاع» حسب قوانين الكونغرس – إلا أن القرار أثار ردود فعل واسعة النطاق، وأعاد الجدل حول ملامح السياسة الدفاعية للولايات المتحدة. فلماذا أقدم ترامب على هذه الخطوة؟

لمحة تاريخية


في آب/أغسطس 1789، بعد فترة وجيزة من تأسيس الولايات المتحدة، أنشئت وزارة الحرب للإشراف على الجيش والبحرية ومشاة البحرية. وبعد أقل من عشر سنوات، حصلت البحرية على وزارتها الخاصة التي شملت أيضاً سلاح مشاة البحرية في العام 1834. ثم تولت وزارة الحرب مسؤولية القوات الجوية التي أنشئت لاحقاً. وبعد الحرب العالمية الثانية، خضعت الوزارة لإعادة تنظيم كبرى وتغير اسمها. وفي تموز/يوليو 1947، أنشأ قانون الأمن القومي الذي وقعه الرئيس هاري ترومان «مؤسسة عسكرية وطنية» برئاسة وزير دفاع أشرف على الجيش والقوات الجوية والبحرية. وبعد عامين، عُدِّل القانون وأصبح اسم المؤسسة الرسمي وزارة الدفاع. كما ألغيت بموجب التعديل مناصب قيادات الجيش والبحرية والقوات الجوية الثلاثة، وحُوِّلت إلى مناصب أدنى رتبة. وتقع الوزارة في مبنى البنتاغون، قرب واشنطن، على ضفاف نهر بوتوماك. ويضم هذا الهيكل الضخم 17 مبنى لوزارة نمت بسرعة بسبب الحرب العالمية الثانية. ومع أكثر من ثلاثة ملايين موظف مدني وعسكري، أصبحت وزارة الدفاع الآن أكبر جهة توظيف في الولايات المتحدة. لكن قد لا تكون لدونالد ترامب القدرة على اتخاذ القرار بشكل منفرد بشأن تغيير الاسم، إذ إن ذلك يتطلب موافقة الكونغرس.

ترامب يستدعي القوة بدل الدفاع


خلال مؤتمر صحفي عقده للإعلان عن القرار، وصف ترامب التسمية الحالية بأنها «ناعمة»، وقال: «نحن لا ندافع فقط... نحن نخوض الحروب وننتصر». بهذا التبرير، أعاد ترامب تعريف الدور الذي يراه للجيش الأمريكي: ليس مجرد قوة ردع، بل أداة حاسمة للهجوم والحسم في ميادين الصراع. والتسمية الجديدة تستدعي الماضي العسكري الأمريكي، وتحديداً الفترة التي شهدت تدخلات واسعة خلال الحربين العالميتين. وكانت «وزارة الحرب» الاسم الرسمي للجهة المسؤولة عن الشؤون العسكرية منذ تأسيسها وحتى إعادة هيكلتها لتصبح وزارة الدفاع. وإعادة هذا الاسم، وإن بشكل رمزي، تهدف حسب المراقبين إلى بعث رسالة محلية ودولية: أن أمريكا في عهد ترامب لا تساوم حين يتعلق الأمر باستخدام القوة.

رسالة للعالم: تحويل الشرطي إلى قائد عسكري


القرار يأتي في سياق سياسي مشحون، ويبدو أن ترامب أراد من خلال هذه التسمية أن يوجه رسالة مزدوجة: الأولى إلى خصومه السياسيين في الداخل، بأن زمن «التحفظات السياسية» قد ولى، والثانية إلى الخارج، مفادها أن أمريكا مستعدة لفرض نفوذها «بالقوة إذا لزم الأمر». وتغيير اسم وزارة الدفاع إلى «وزارة الحرب» لا يخلو من أبعاد ثقافية أيضاً. فـ«الدفاع» يحمل طابعاً أخلاقياً يبرر التدخلات العسكرية باعتبارها حماية للذات أو للآخرين، بينما «الحرب» تحمل طابعاً صريحاً وعدوانياً، يترك انطباعاً بالقوة والهجوم لا الدفاع. هذا التحول في اللغة يعكس أيضاً تحولاً في الرؤية الأمريكية للعالم: من عقلية «الشرطي الدولي» إلى عقلية «القائد العسكري بلا منازع».

قيود قانونية ولكن تأثير فعلي


قانونياً، لا يستطيع الرئيس الأمريكي تغيير اسم وزارة اتحادية بمفرده، إذ إن ذلك يتطلب مصادقة الكونغرس. لذا فإن إعادة التسمية التي قام بها ترامب تظل في إطار رمزي، تُستخدم فقط في المراسلات والخطابات داخل السلطة التنفيذية. إلا أن هذا لا يقلل من تأثيرها؛ فاللغة التي تستخدمها الحكومات ترسم السياسات، وتغذي الرأي العام، وتعيد تشكيل صورة الدولة في أذهان مواطنيها والعالم. وقد بدأت بالفعل بعض الدوائر العسكرية باستخدام المصطلح الجديد في الوثائق الداخلية، فيما قامت قنوات إعلامية موالية لترامب بتبني التسمية الجديدة على شاشاتها، ما قد يُمهد لتطبيعها في الخطاب العام.

رمزية تغلّف الرؤية


وفسر محللون سياسيون تغيير ترامب «وزارة الدفاع» إلى «وزارة الحرب»، بأن الخطاب، بالنسبة لترامب، لا يقل أهمية عن السياسة، ولأن التسمية ليست فقط ما نضعه على المبنى، بل ما تحمله من نوايا وراء الجدران. وأضافوا أنه قد لا يكون الاسم قانونياً حتى الآن، لكن ما يحمله من رسائل صريحة عن كيفية فهم ترامب لدور الجيش الأمريكي في الداخل والخارج... لا يحتاج إلى مصادقة من الكونغرس؟

ردود فعل داخلية وخارجية


القرار قوبل بترحيب واسع في أوساط أنصار ترامب، الذين اعتبروا أن الاسم الجديد يعكس صراحة وصدقاً في التعبير عن الدور الحقيقي للجيش الأمريكي. على الجانب الآخر، انتقده عدد من الديمقراطيين والخبراء العسكريين الذين رأوا فيه محاولة لتسييس الجيش وتغذية النزعة العسكرية بطريقة قد تضر بصورة الولايات المتحدة في العالم. أما على الصعيد الدولي، فقد أعرب بعض حلفاء واشنطن عن قلقهم من هذه الرمزية التي توحي بتغيير في العقيدة العسكرية الأمريكية. أما في أوروبا، فقد جاءت ردود الفعل حذرة، إذ علّق أحد المسؤولين بأن «اللغة التي تستخدمها واشنطن تؤثر في بنية التحالفات ومفاهيم الردع، وبالتالي فإن أي تغيير، ولو رمزي، يجب ألا يُستهان به».