د. حنين عمر
على ضفاف نهر التاريخ الذي لا ينضب، نمت الحضارات وازدهرت واستمدت قوتها من وعي الإنسان أولاً، ومن إدراكه لمعنى الحياة وتحدياتها، التي كان وما يزال من أهمها الأمن الغذائي.
وإننا اليوم في خضم الحديث عنه كمحور أساسي في المنتدى الـــــدولـــــي للاتــــصال الحكـــــومي، المُقام في الشارقة هذه الأيام، قد يبدو المصطلح جديداً في عالمنا العربي، غير أنه لا بد من الإشارة لكون المنطقة العربية قد أولته أهمية كبرى منذ غابر الأزمنة، إذ تمحورت حوله تحركات العرب الجغرافية، وقيام دولهم وبناء حضاراتهم، وجزء كبير من هويتهم وثقافاتهم، وحتى أخلاقهم.وإن كان المصطلح قد برز عام 1996 بانعقاد مؤتمر القمة العالمي للأغذية التي عرفت الأمن الغذائي على أنه: «وضع يتحقق عندما يتمتع جميع الناس، في جميع الأوقات، بإمكانية الحصول المادي والاقتصادي على أغذية كافية وسليمة ومغذية»، فإننا سنضع خطاً أحمر تحت كلمة «سليمة»، التي تعني أن توفير الغذاء وحده ليس كافياً، فقد يكون متاحا، ولكنه لا يحقق شروط السلامة، ويحوي مواد مضرة، ووفق إحصائيات منظمة الأمم المتحدة لعام 2021 فإن نحو ملياري شخص يعانون نقص الفيتامينات والمعادن، أي ما يعادل 29.3 % من سكان العالم!، وهي ليست أرقاماً جزافية، فحين كنت أعمل كطبيبة في أحد المستشفيات، قمت بإحصائيات مشابهة لغرض بحثي حول نوعية التغذية وعلاقتها بالأمراض المزمنة، وكانت نتائجه محزنة، فأغلب الحالات الشابة التي تابعتها عانت تغذية غير متوازنة ومشبعة بالمركبات الصناعية.
لذا، فإن التحدي الحقيقي اليوم ليس في أن نوفر الغذاء، إنما في أن نجعله سليماً وطبيعياً، بعيداً عن التعديلات الوراثية والأسمدة السامة، والهرمونات التي تزيد من الوزن وتقلل الجودة، ذلك أن بناء الأمم لا يعتمد فقط على سدّ جوعها، إنما على زرع ثقافة الغذاء وفهم تفاصيلها، وتكثيف حملات التوعية بأهمية أن نراقب ما نأكله، للتأكد من أنه لن يؤدي إلى تدمير العقول والأجساد، وهذه مسؤولية الجميع: البيت والمدرسة والإعلام، وحتى الكتّاب والمثقفين، الذين عليهم ترويج مفهوم «فلسفة الأخلاق الزراعية» التي ظهرت بوادرها منذ جمهورية أفلاطون.
وفي هذا السياق، لابد أن نتحدث عن الشارقة التي تقدم أحد أهم مشاريع الأمن الغذائي العربي بتوجيهات ورعاية صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، فمزارع مليحة وألبانها ودقيق سبع سنابل، وطيور فيلي، واللحوم العضوية، ليست مجرد مشاريع زراعية، بل إنها مشاريع بناء الإنسان ودعم البيئة والاستدامة، وتكريس ثقافة الغذاء الصحي، وهذا لا يحقق الأمن الغذائي في الحاضر فقط، بل ستمتد تبعاته إلى المستقبل البعيد، كملاذ آمن وموثوق لكل من يعي أهمية صحته، فيلاحق منتجاتها بمحبة، ويركض مبتسماً نحو رفوفها ليحتضنها بسعادة... إنها إذن قنديل أمل يضيء عالماً أضحت ثقافته الاستهلاكية وحشاً جائعاً يفتح فاه ليبتلع كل القيم، ولم تعد فيه الحروب تدار في الميادين، إنما تدار في تلك التفاصيل الصغيرة، التي لا ينتبه لها الناس، الصغيرة لدرجة قطعة حلوى في يد طفل!، والذي علينا حمايته منها بالوعي والثقافة، وبالعودة إلى أحضان الأرض والطبيعة.