الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

بريطانيا وإسرائيل.. انقلاب على التاريخ

20 سبتمبر 2026 00:03 صباحًا | آخر تحديث: 20 سبتمبر 00:03 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
إذا كانت بريطانيا هي الدولة التي وضعت قبل أكثر من قرن حجر الأساس لقيام إسرائيل، فإن المفارقة التاريخية أنها هي نفسها التي تقف اليوم في واحد من أكثر المواقف صداماً مع الحكومة الإسرائيلية، لتدخل العلاقة بين البلدين واحدة من أسوأ مراحلها، وأكثرها حساسية عبر تاريخ إسرائيل.
لم يكن القرار البريطاني الأخير مجرّد خلاف دبلوماسي عابر، فبريطانيا أعلنت إجراءات تستهدف النشاط الاستيطاني في الضفة، من بينها حظر استيراد سلع المستوطنات، إلى جانب إجراءات تستهدف الشركات والأشخاص الذين يدعمون النشاط الاستيطاني، ضمن تحرك شاركت فيه 12 دولة، غربية وأوروبية.
الأكثر دلالة أن وزير الخارجية البريطاني، إد ميليباند، لم يكتفِ بالقرار التجاري، بل ذهب إلى توصيف بالغ الخطورة، حيث أقرّ بأن هناك تطهيراً عرقياً للفلسطينيين في مناطق من الضفة، متهماً مستوطنين بارتكاب أعمال إرهابية، ومشيراً إلى أن الحكومة الإسرائيلية غضّت الطرف عن هذه الممارسات، كما أعلنت لندن، للمرة الأولى، أن موقفها الرسمي هو أن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير قانوني.
أهمية الموقف البريطاني تكمن في أن الأمر لم يعد يتعلق فقط بمستوطنات تقول بريطانيا منذ سنوات إنها غير قانونية، وإنما انتقل إلى التشكيك في شرعية الاحتلال نفسه، وفي السياسات التي يمكن أن تجعل حل الدولتين مستحيلاً، ولذلك، لم يكن غريباً أن يأتي الرد الإسرائيلي غاضباً عبر قرار إغلاق القنصلية البريطانية في القدس، وفرض قيود على دخول عدد من البريطانيين، في تصعيد دبلوماسي يعكس حجم التوتر بين الطرفين.
أزمة بريطانيا وإسرائيل لا يمكن فهم أبعادها من دون العودة إلى التاريخ، فبريطانيا ليست دولة عادية بالنسبة لإسرائيل، إنها صاحبة وعد بلفور عام 1917، عندما أعلنت فيه حكومة بريطانيا آنذاك دعمها لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، ثم جاء الانتداب البريطاني على فلسطين ليجعل لندن لاعباً رئيسياً في المنطقة، خلال مرحلة شديدة الحساسية سبقت قيام دولة إسرائيل. وحتى اليوم، تعترف المؤسسات البريطانية نفسها بأن وعد بلفور كان محطة مهمة في الطريق إلى قيام إسرائيل، مع الإقرار بأن حقوق الفلسطينيين لم تتحقق كما كان ينبغي.
بريطانيا التي ظلت لعقود من أقرب الحلفاء السياسيين لإسرائيل، والتي أكدت في مناسبات عدة فخرها بدورها التاريخي في قيام الدولة العبرية، أصبحت اليوم من أكثر الدول الغربية انتقاداً لسياسات حكومتها، بل إنها احتفلت قبل 9 سنوات بمئوية وعد بلفور، وأكدت اعتزازها بالعلاقة مع إسرائيل، والتزامها بأمنها، وهي نفسها تقول اليوم إن الاحتلال غير قانوني، وإن الاستيطان يهدّد مستقبل المنطقة.
السلوك البريطاني يطرح تساؤلاً: هل استيقظ الضمير البريطاني فجأة؟ الإجابة: غالباً لا، فالدول لا تتحرك في السياسة الخارجية بدافع الضمير وحده، ولا يمكن النظر إلى القرار البريطاني باعتباره صحوة أخلاقية كاملة. هناك حسابات سياسية، وانتخابية ودبلوماسية، وهناك تغيّر في المزاج الشعبي، البريطاني والأوروبي، وهناك ضغط متزايد على الحكومات الغربية بسبب ما جرى، ويجري، في غزة والضفة، لكن السياسة ليست منفصلة تماماً عن الضمير الشعبي.
من هنا، فإن الأزمة البريطانية الإسرائيلية أكبر من قرار تجاري، أو خلاف حول المستوطنات. إنها علامة على أن شيئاً ما تغير في العلاقة بين إسرائيل والغرب، إنها أزمة تغيّر وجه التاريخ، وتنقلب على ثوابت غربية.
هذا لا يعني أن بريطانيا تحولت إلى خصم لإسرائيل، ولا أن الغرب تخلّى عن أمنها، لكن إسرائيل ربما بدأت تخسر شيئاً أكثر أهمية: قدرتها على أن تجعل العالم يرى الصراع من المنظور الإسرائيلي كما كان من قبل.
أخطر ما في الأزمة الحالية ليس إغلاق قنصلية، أو منع مسؤولين من الدخول، وإنما أن بريطانيا، صاحبة الماضي المرتبط بقيام إسرائيل، بدأت تتحدث بلغة مختلفة تماماً عن تلك التي اعتادتها الحكومات الإسرائيلية.
قد لا تكون هذه صحوة ضمير كاملة لدى الحكومة البريطانية، لكنها بالتأكيد مؤشر على صحوة أوسع في الضمير الشعبي الغربي والإنساني، صحوة بدأت تكتشف ما كان مجهولاً، وتعيد النظر في ما كان مقدماً باعتباره حقيقة وحيدة، وتفصل شيئاً فشيئاً بين حق إسرائيل في الأمن، وبين حق الفلسطينيين في الحياة، والحرية، والدولة.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة