تشير الدلائل إلى أن عملية اغتيال حليف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب البارز تشارلي كيرك، لم تكن من تنفيذ أحد الهواة، ولكن تم التدبير لها بعناية فائقة، ونفذها قناص محترف، حيث أصابه في مقتل بطلقة نارية واحدة من مسافة نحو 130 متراً ثم اختفى عن الأنظار في طرفة عين، وهو ما يثير الهلع بين أوساط النخب الأمريكية من موجة اغتيالات ودخول البلاد في موجة من العنف السياسي، خصوصاً في ظل حالة استقطاب شديدة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي.
ردود الفعل التي تلت عملية الاغتيال أظهرت حالة من الخوف والتشاؤم بشأن، وهو ما عبر عنه زعماء الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وفي مقدمتهم ترامب، بينما عم الحزن والبكاء كافة أنحاء الجناح الغربي في البيت الأبيض حيث فريق إدارة الرئيس الأمريكي، وما فاقم حالة الخوف هو تزامن الحدث مع إحياء أمريكا لذكرى هجمات 11 سبتمبر والتي راح ضحيتها المئات من الأمريكيين.

 

وبنظرة سريعة إلى أحداث العنف منذ ترشح ترامب لولاية رئاسية ثانية، فيظهر أنه هو نفسه تعرض لمحاولتي اغتيال، إحداهما كادت أن تقضي عليه، لكنه خرج منها بإصابة بسيطة في أذنه. وفي يونيو/حزيران الماضي قُتلت النائبة الديمقراطية لولاية مينيسوتا ميليسا هورتمان وزوجها على يد رجل يُزعم أنه انتحل صفة ضابط شرطة، كما أطلق النار أيضاً على عضو آخر في الهيئة التشريعية بالولاية وزوجته.

كما تعرض منزل حاكم ولاية بنسلفانيا لحريق في إبريل/نيسان، وفي ديسمبر/ كانون الأول الماضي، قُتل الرئيس التنفيذي لشركة يونايتد هيلث كير، برايان طومسون، برصاصةٍ على رصيف في مانهاتن، زُعم أنها من قِبَل رجلٍ غاضب من سياسة الرعاية الصحية. وفي وقتٍ سابق من هذا العام، وُجِّهت اتهامات لرجلٍ بشنِّ هجماتٍ حرقٍ مُتعمَّدة على صالة عرض سيارات تيسلا ومقر الحزب الجمهوري في نيو مكسيكو. وقبل ذلك في عام 2022، هاجم رجل ــــ كان يبحث عن رئيسة مجلس النواب آنذاك نانسي بيلوسي ــــ زوجها بمطرقة في منزلهما.

حقبة الشعبوية العنيفة

مسلسل الجرائم الذي لا يُعرف له نهاية حتى الآن، دفع العديد من المراقبين إلى استحضار بعض الفترات الأكثر مرارة واضطراباً في التاريخ الأمريكي المعاصر، بما في ذلك حقبة الستينات، التي شهدت اغتيال الرئيس جون كينيدي، والسيناتور روبرت كينيدي، والقس مارتن لوثر كينغ.

ويقول روبرت بيب، رئيس مشروع الأمن والتهديدات في جامعة شيكاغو: «نمرّ بما أسميه حقبة الشعبوية العنيفة، إنها حقبة تاريخية تشهد اغتيالات ومحاولات اغتيال واحتجاجات عنيفة، وهي تحدث على اليمين واليسار على حد سواء». وأضاف لصحيفة نيويورك تايمز: «هذا يتجاوز بكثير المد والجزر الطفيف المعتاد الذي شهدته أمريكا على مدى عشرين عاماً. هذا مستوى مختلف، وفترة تاريخية مختلفة من العنف السياسي، هذه حقيقة واضحة».

لطالما كان العنف كامناً تحت سطح بلدٍ شهد اغتيال أربعة من رؤسائه الخمسة والأربعين، وإصابة خامسهم، رونالد ريغان، في محاولة الاغتيال. لكن القادة السياسيين من كلا الحزبين حذّروا من أن البلاد تتجه نحو هاويةٍ مظلمة، وتتساءل السيناتور تينا سميث: «ماذا بعد.. كيف نوقف هذه الحلقة المفرغة من العنف السياسي؟»، ثم استطردت في مرارة: «هذه الجرائم مستمرة بلا هوادة. يكاد اليأس يخنقني من كثرة تكرارها».

أمريكي من كل 10 يؤيد العنف

يتفق الخبراء الدارسون للعنف السياسي على أن وتيرة وخطورة هذه الظاهرة تتزايدان بشكل ملحوظ، إذ يعتقد عدد متزايد من الأمريكيين أن النظام لا يناسبهم ويشعرون بالإحباط والعجز. ورغم أن الولايات المتحدة «شهدت عنفاً سياسياً في أوقات أخرى. لكن عندما يُنظّم ويُنسّق وفق خطوط حزبية، يُصبح مُؤسّسياً بطريقة بالغة الخطورة».

وفي استطلاع رأي أجراه مشروع شيكاغو للأمن والتهديدات أواخر العام الماضي، اتفق 9% من المشاركين على أن «استخدام المواطنين العاديين للقوة ضروري أحياناً لتحقيق أهداف سياسية»، بينما عارض ذلك 70.5%.

ورغم أن أغلبية كبيرة عارضت العنف السياسي، فإن ذلك ترك ما يقرب من واحد من كل عشرة أشخاص على استعداد لإخبار الباحثين في استطلاعات الرأي بأنهم يؤيدون العنف.

كما أظهر استطلاع رأي في يوليو الماضي أن أكثر من 80% من الديمقراطيين و80% من الجمهوريين يحملون ليس فقط وجهة نظر سلبية تجاه بعضهم بعضاً، بل وجهة نظر «سلبية للغاية».

ويشير ماثيو داليك، المؤرخ السياسي بجامعة جورج واشنطن، إلى أن الفصائل السياسية في الولايات المتحدة تنظر إلى بعضها بعضاً بشكل متزايد كأعداء لدودين يهددون وجود البلاد، ومن ثم،  يميل الأشخاص غير المتوازنين عقلياً إلى اللجوء للعنف أحياناً. وأضاف أن وسائل التواصل الاجتماعي تُسهّل نشر هذه الأفكار السامة.

 

وأكد داليك أن أمريكا تمر «بأعنف لحظة سياسية منذ ستينات وسبعينات القرن الماضي. نشعر وكأننا في دورة من حقبة الستينات، ومن الصعب جداً الخروج منها». وحذر آخرون من أن المزيد من العنف قد يكون في انتظار البلاد، إذ إن أفعالاً مثل مقتل كيرك قد تؤدي إلى حلقة مفرغة من الانتقام، حيث يعتقد كل جانب أن الهجمات ضده تبرر رد فعل مميت مماثل.

ويؤكد ويليام برانيف، المدير التنفيذي لمركز أبحاث التطرف (PERIL) في الجامعة الأمريكية: «أمريكا في وضع بالغ الخطورة، حيث يمكن أن يُحفّز أي عنف رد فعل أعنف». ويدعو برانيف، ـ وهو مسؤول كبير سابق في وزارة الأمن الداخلي ــ إلى استراتيجيات مثل التثقيف و«التخطيط المسبق» لتقليل فرصة لجوء الناس إلى التطرف والعنف.

ماذا قالت نائبة تعرضت لمحاولة اغتيال؟

يرى بعض المراقبين أن إطلاق النار على النائبة غابرييل جيفوردز في فبراير/شباط 2011، أثناء فعالية انتخابية، كان  مقدمة لعنف اليوم، وهو تذكيرٌ بأنه كان موجوداً دائماً إلى حدٍّ ما، ومنذ ذلك الحين، أنشأت جيفوردز جماعةً ضد عنف السلاح، وتقول: «أشعر بالفزع لسماع نبأ إطلاق النار على تشارلي كيرك في فعالية بولاية يوتا. ستظل المجتمعات الديمقراطية تشهد خلافات سياسية، لكن يجب ألا نسمح لأمريكا أبداً بأن تصبح دولةً تُواجه هذه الخلافات بالعنف».

ويؤكد ديفيد هولت، عمدة مدينة أوكلاهوما الجمهوري، أن تفجير المبنى الفيدرالي في مدينته عام 1995، والذي أسفر عن مقتل 168 شخصاً، يظهر إلى أين يمكن أن تؤدي أعمال العنف. ويضيف: «كان ذلك عنفاً سياسياً على نطاق أوسع بكثير، لكن الدافع نفسه». وأضاف هولت أن الأمريكيين ينسون في كثير من الأحيان أن التسوية، وحتى الخسارة في بعض الأحيان، تشكل جزءاً أساسياً من الديمقراطية.

ويؤكد مراقبون أن الخطاب الغاضب الذي يميز الآن الكثير من المناقشات السياسية في الولايات المتحدة لا بد من تخفيفه، وهذا يقع إلى حد كبير على عاتق الزعماء السياسيين.