الحفر في ذاكرة التشكيل الإماراتي، يمنح المتابع مساحات لا حصر لها تكشف عن حساسيات فنية مختلفة، وهي بالتأكيد ستضيء على خصوصية فيها الكثير مما يمكن قوله عن تلك المحطات الممهورة بذاكرة الفنان ما بين الدراسة، وأول لوحة، وأول معرض، وتجربة مفعمة بالدهشة ما بين الواقعية والرمزية والتجريد وغير ذلك مما يمكن قوله والإضاءة عليه.
من الفنانين الإماراتيين الرواد يرد ذكر اسم عبد الرحمن زينل، الذي تكشف تجربته مع الفن التشكيلي، عن ذكريات وشجون وقصص وحكايات وأماكن، شكلت في مجموعها ذاكرة فنية تستحق أن تعاش، وأن تستعاد في ذاكرة الفن التشكيلي.
اللوحة التي أمامنا لعبد الرحمن زينل، تفيض بكثير مما يمكن قوله عن ذاكرة الفن، وهي منجزة في العام 1999، وتحسب على المدرسة الواقعية، حيث تجسد البيئة التراثية في الإمارات، من خلال ما نشاهده من عناصر هذا التراث، حيث النخيل والرمل والبيوت السكنية القديمة بما في ذلك البرج الظاهر في خلفية اللوحة.
تصور اللوحة نخلتين متجاورتين أمام خلفية يظهر فيها مشهد لبيوت تراثية متراصة على يسارها وقريباً من النخلتين، يقف برج متطاول وربما يكون حصناً، وكما هو معلوم فقد كان الحصن في البيئة الإماراتية القديمة، وظيفة مهمة تشعر المواطن بالأمان والاطمئنان.
اللون المسيطر في اللوحة هو اللون البني، مع شفافية اللون الأزرق الذي يغمر المشهد بكثافة خاصة في خلفية اللوحة، ووظف زينل اللون البني خاصة في مقدمة اللوحة وفي الجزء الخلفي منها ليرمز إلى الظلال، فالظل في المشهد التصويري هو عنصر بصري يوحي بالعمق والدلالة وإضفاء لمسات واقعية على المنظر، ويخلق وهماً بصرياً يعزز الجانب الدرامي للمشهد.
في اللوحة من جهة اليمين، ثمة بقعة بيضاء صغيرة، توحي بالشمس في غروبها وربما القمر في بزوغه، تعكس ضوءاً على المشهد، تتجاور النخلتان كما يستشف من اللوحة على مسافة قريبة من بعضهما، ولكنهما أيضاً تشيان بأجواء عبق المكان حيث لقاء الريح مع الرمل وتموجات الظلال.
فلسفة اللون
أبدع عبد الرحمن زينل في رسم هذا المشهد بحرفية من يقرأ فلسفة اللون، وأبعاد المشهد وتأويلاته في الذاكرة الإماراتية، حيث النخلة الرمز في التراث الإماراتي، وكأننا أمام روح المكان بعناصره المختلفة والمتنوعة، ومن يدقق في الرسم، يكتشف أن هذا التباين اللوني قد وظف بدقة ليخلق انطباعاً حسياً بعبق المكان، وكأننا أمام بيئة تراثية دافئة تنعكس في وعي المتلقي بمزيد من العمق والتأمل.
حرص زينل -كما قلنا- على تكوين مشهد بصري محكوم -إلى حد ما- بثنائية الضوء والظل، فثمة ظلال أفقية متطاولة على الرمال في الخلفية، وثمة ظلال للنخلتين في المقدمة، وهناك الضوء الذي ينعكس بفعل البقعة البيضاء، وكل ذلك رسمه زينل ليوحي بالرقة والتناغم وكأننا أمام لوحة مبهرة تجسد أصالة المكان وروحه، وأمام لحظة تاريخية تعزز الجانب الحسي والشعوري عند المشاهد، ليتأمل عمق ارتباط الفرد بالمكان الذي يعيش فيه.
سردية بصرية
تأثثت اللوحة من مفردات تراثية عديدة، وكل مفردة من هذه المفردات تمثل سردية مكتملة في التراث الإماراتي، وهي سردية بصرية مشغولة بإتقان شديد، يحكي النخل سردية الوطن والثبات والظلال، كما ترمز البيوت إلى الهدوء والاستقرار، ويعزز وجود البرج أو البناء في اللوحة من مفهوم الهدوء أو الاستقرار، ناهيك رمزية تلك البقعة البيضاء سواء كانت شمساً أو قمراً، لتشير إلى ذلك المزاج الهادئ المطمئن.
هنا، نحن أمام ظلال إيحاءات من السكينة، وفي رحاب لحظات متوهجة بالذكريات والشجن.
الواقع
الواقعية هي الأكثر تعبيراً عن المشهد المرسوم، لكنها مع ذلك لا تخلو من لمسة تجريدية إذا ما دققنا في المعالجة اللونية المبهرة في هذه اللوحة، من جهة حرفية التظليل والاختزال اللوني، وكأننا أمام مقترح مشهدي بصري، يحكي عن ذاكرة ليست بعيدة، وتتم استعادتها من خلال شعرية اللون والتصميم، وأيضاً توزيع الكتل والمساحات بكل ما يحمله الأثر الفني من شفافية وإبداع، فاللوحة هنا، إنما تعبر عن منطوق بصري حافل بمزاج الحكاية، ووعي من خبروها على مسافة قريبة من هنا، وها هي تستعاد لتقص على المشاهد اليوم صدى حكاياتها الحاضرة في الزمن الراهن.
جماليات إماراتية
عبد الرحمن زينل يرسم بالألوان ذاكرة المكان
13 سبتمبر 2025 23:40 مساء
|
آخر تحديث:
13 سبتمبر 23:40 2025
شارك