من ليس له ماضٍ، ليس له حاضر ولا مستقبل. الماضي هنا، يعد مرجعاً للخبرة والدروس التي تشكل الحاضر وتحدد معالم المستقبل. ولعل المجتمعات الحديثة تواجه تحديات كبيرة في مسألة صون التراث، خاصة ونحن نعيش أجواء ومناخات الثورة الصناعية الرابعة، وهي الثورة التي دمجت بين التقنيات المادية والرقمية والبيولوجية، وأدت إلى طمس الخطوط الفاصلة بينها.
وأول ما يجب الانتباه له في هذا السياق، أن الجيل الجديد وهو المستهدف من مخرجات التراث، هو جيل أحوج ما يكون للاستفادة من الموروث، وما خلفه من قيم وأصالة، للاستفادة منها وتوريثها للأجيال التي تأتي من بعده.
ولعل نقطة البدء في مثل هذا الموضوع الحيوي، يجب أن تنطلق من فكرة رئيسية تغير الصورة النمطية عن هذا الجيل الذي يتهم دائماً بأنه جيل «مُنبت» أو مفصول عن تراثه، كما تحبذ بعض وسائل الإعلام أن تروج له، بل لعل الأكثر دقة، يكمن في اعتراف الجيل الحالي أو (الجيل الوسيط) بأنه مقصر في هذه المسألة، ولم يبذل جهداً كافياً في استيعاب وسائط التقنية الحديثة، ليكون قادراً على توصيل المعرفة المتحصلة من التراث إلى الجيل الجديد المستهدف، ولكن من خلال أدوات الجيل ذاته.
في التفاصيل، فقد أتاحت الموجة التقنية الرابعة مجموعة من الوسائط التقنية التي يمكن استثمارها في حفظ التراث، على سبيل المثال تسهم آليات «الذكاء الاصطناعي» في فرز الأرشيفات التراثية في إقليم دول الخليج العربي، بطريقة أسهل وأسرع من الوسائل التقليدية المتبعة، ومن خلال رؤية بصرية مبتكرة بطريقة تواكب تطلعات الجيل الجديد، هنا، ننجح في ربط هذا الجيل بتراثه وقيمه بوسائل منسجمة تماماً مع مستجدات العصر، وهذا يعني أن هناك دوراً كبيراً ومؤثراً للتقنيات الحديثة في تبسيط التراث وترويجه على نطاق واسع.
إن التحدي الأكبر في مسألة حفظ التراث، منوط بقدرتنا وإصرارنا على تصميم برمجيات جديدة، تعتمد التقنيات الحديثة التي يستوعبها الجيل الجديد، وذلك من أجل ردم الفجوة بين هذا الجيل ولغته التراثية، وصحيح أن هذا المسعى يتطلب كلفاً باهظة في صلته بتصميم برمجيات يفهمها الجيل المستهدف، لكن ذلك يعد أهم خطوة في الحفاظ على التراث وصونه.
وبعد، فإن صون التراث وحفظه، هو مسألة في غاية الأهمية، وهي تتطلب جهوداً رسمية ومجتمعية، كما تحتاج إلى معرفة بالضوابط التي توازن بين حاجتنا للتراث مع الاعتبارات العملية للحياة اليومية، كالتنمية والنمو الاقتصادي وتغير القيم الاجتماعية، حيث يعتبر التراث أمراً بالغ الأهمية للحفاظ على هويتنا الثقافية، وفهم جذورنا، لتعزيز فخرنا المجتمعي أمام العالم.
[email protected]
المسؤولية الأخلاقية في الأدب تُعد من أبرز القضايا التي تشهد صراعاً في الأوساط النقدية الغربية، فهناك نقلة نوعية في أشكال جديدة من القصص والروايات، وهي في المجمل أعمال يمكن إجمالها تحت صنف «الديستوبيا الحديثة»، وخير مثال على ذلك سلسلة «ألعاب الجوع» للأمريكية سوزان كولينز، ورغم أن الفارق الزمني بين هذه السلسلة وما سبقها من الأعمال التي صُنفت تحت باب «الديستوبيا الكلاسيكية» كرواية (1984) لجورج أورويل ليس كبيراً، ويُقدّر بنحو نصف قرن على أحسن حال، إلا أن هناك فارقاً جوهرياً في المضمون والشكل، على حد سواء، يُحسب لصالح روايات «الديستوبيا الحديثة».
عرف الغرب «أعمال الديستوبيا الكلاسيكية» في القرن العشرين كنوع أدبي يُصوّر مجتمعات مستقبلية خيالية مظلمة، يسودها القمع، والقهر، والتعاسة، وتستخدم كأداة نقدية تحذيرية من التوجهات السياسية والاجتماعية والتكنولوجية المعاصرة، فيما نحا النوع الجديد من الروايات نحو موضوعات أكثر حيوية، فسوزان كولينز، نجحت في قلب الطاولة على النموذج السابق، من خلال معالجتها لروايات خيال علمي حديثة موجهة في الأساس للشباب والمراهقين، وهي التي تحوّلت إلى سلسلة أفلام ناجحة تركّز على مواضيع البقاء، وقد حظيت بشعبية واسعة بين البالغين أيضاً.
استنبطت كولينز فكرة رواياتها المتسلسلة من دمج برامج الواقع مع أخبار الحروب، فقدمت نقداً لاذعاً لكيفية تحويل معاناة البشر إلى «ترفيه» وتلاعب الأنظمة بالصورة والدعاية الإعلامية، للسيطرة على الشعوب.
وفي ذات الإطار، نجحت أعمالها في كسر نمطية ما قدمتها أعمال الديستوبيا المتشائمة أو الكلاسيكية، نحو أفق حالم غير فاقد للأمل، ومثلت أنموذجاً ناضجاً لكتابات تمثل اتجاهاً أدبياً جديداً في القرن الحادي والعشرين.
تميزت هذه الأعمال الجديدة، بحبكتها الرشيقة، وأبطالها اليافعين، ونهاياتها المفتوحة على عوالم أكثر تفاؤلاً، من خلال مناقشتها لسلسلة الأمراض والكوارث البيئية والحروب، وقضايا الذكاء الاصطناعي وكل ما له صلة بتهديداته المعاصرة ومنها الهيمنة التكنولوجية، التي تجعل البشر أقل إنسانية، وسعت هذه الأعمال كذلك لترسيخ إمكانية حقيقية للتغيير، في مقابل ما طرحته أعمال «الديستوبيا الكلاسيكية» من أفق مظلم يحذر من نهاية الإنسانية عبر القمع الفكري.
عربياً، لا يبدو أن هناك أثراً مباشراً وواسعاً لروايات «الديستوبيا الحديثة» على الرواية العربية، على حساب تأثرها بروايات «الديستوبيا الكلاسيكية»، وتقنياتها الأكثر تعقيداً، ويبدو أن التحدي الأكبر أمام هذه الأعمال العربية، هو في سعيها لابتكار أساليب سردية جديدة، واقتحامها لموضوعات جوهرية يعيشها العالم اليوم، على غرار ما بات يعرف بـ«الديستوبيا الناعمة» التي لا تركز على رعب الانهيار، بقدر إضاءتها على ما تبقى من قوى الجمال والفن في الحفاظ على الإنسانية.
[email protected]
«الديودراما» في المسرح هو مصطلح يرتبط بالأداء الثنائي، وهو شكل يتضمن ممثلين يحملان العمل الدرامي بأكمله من البداية إلى النهاية، وهذا المصطلح، هو موسيقي في الأساس، ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالأوبرا، ويعود لمبتكره الأول التشيكي جيري أنتونين بيندا (1722 – 1795)، في سبعينات القرن الثامن عشر، وتطور المصطلح في ما بعد ليشير إلى المسرحيات التي تعتمد على ممثلين اثنين فقط (مسرح ثنائي)، حيث يتميز هذا النوع بالتركيز على الحوار المتصاعد والصراع النفسي بين الشخصيتين.
عبر التاريخ، كانت هناك أعمال موسيقية عالمية استندت إلى فكرة الدراما الثنائية، فقد استخدمها بيتهوفن في أوبرا «فيديلو» (1805-1814)، كما استخدمها كارل ماريا فون في أوبرا «دير فرايشوتز».
انتقل المفهوم إلى الفن المسرحي بما يتضمنه «أبو الفنون» من حس درامي واضح، ويصح القول هنا: إن الدراما الثنائية أو الديودراما، هي ميلودراما مسرحية لممثلين، حيث يستخدم الصوت المنطوق مع موسيقى مصاحبة تعزز التأثير الدرامي. وقد شاعت هذه الثنائية الفنية في أواخر القرن الـ 18 وبداية القرن الـ 19، وأصبح هذا المصطلح شائعاً في المسرح الحديث والمعاصر، خاصة إذا كانت العروض مكتوبة لممثلين اثنين، بهدف تسليط الضوء على الصراع النفسي بين هاتين الشخصيتين، وهذه النصوص تحتاج إلى تكثيف درامي، يختزل الأحداث والحوارات والمشاعر في النص المسرحي لتصبح أكثر تركيزاً وعمقاً، وتقديم تجربة مكثفة للمتلقي في زمن ومكان محدودين.
هذا التكثيف مهم جداً في المسرح الثنائي، الذي يركز على جوهر الصراع، وحدة التوتر الدرامي، وتجنب الحشو الذي يضعف البناء الفني.
في المسرح العالمي، نتذكر صموئيل بيكيت كاسم لامع استند إلى «الديودراما» في العديد من أعماله، كما هو في مسرحيته الأشهر «في انتظار غودو» وتدور حول المشردين فلاديمير واستراغون اللذين ينتظران شخصاً لا يأتي أبداً، وتدور بينهما حوارات عبثية تجسد الانتظار والملل، وقدم بيكيت هذه الثنائيات في أعمال أخرى مثل: «نهاية اللعبة» و«أيام سعيدة» وغيرهما.
أصبح المسرح الثنائي أنموذجاً شائعاً بقوة في مسارح العالم، كما هو في أوروبا الشرقية والبلقان، وكما هو في مهرجانات الديودراما العالمية: (مسرح الدراما الثنائي العالمي) وكما هو في المهرجان الأبرز عربياً وهو (مهرجان دبا الحصن للمسرح الثنائي) في الشارقة / الإمارات، هذا المهرجان الذي انطلق قبل نحو عشر سنوات، ويستضيف عروضاً ثنائية عربية وعالمية، وها هو يستعد لإطلاق دورته التاسعة في الشهر الجاري.
[email protected]
تتردّد في الأوساط الفكرية والنقدية مصطلحات عدّة تنسب إلى الثقافة كمصطلح «ثقافة النخبة»، وغالباً ما يصعب تعريف هذا المصطلح المثير للجدل في علاقته مع الأدب، والفنون الجميلة، وفنون الأداء، في مقابل ثقافة جماهيرية (أو شعبية)، أقل رقيّاً وتعلّماً. وبحسب ما هو منشور في (موسوعة أوروبا الحديثة: 1789-1914/ موسوعة عصر الصناعة والإمبراطورية)، أنه منذ سبعينيات القرن الفائت، جرى تعديل مفهوم الثقافة الشعبية في مجالات التاريخ الاجتماعي والتاريخ الثقافي، بشكل كبير، من خلال استكشاف مواضيع متنوعة كالثقافة المادية، والثقافة القومية، والثقافة الحضرية، وظهور الرياضات الجماهيرية. كما أن دراسة الثقافة الشعبية تعيدنا إلى القرن ال19 حيث ظلت هذه الثقافة في كثير من النواحي، محلية أو إقليمية، ولم تكن منتشرة في جميع أنحاء القارة. وشكلت مصارعة الثيران، على سبيل المثال، مركزية في الثقافة الإسبانية، كساحة مصارعة الثيران في مدريد، وطقوسها التي أسهمت في تشكيل ثقافة شعبية محلية لآلاف، بل ملايين الناس.
وبالمثل، كانت هناك اختلافات جوهرية بين الثقافة الشعبية في المدينة والقرية. كانت أوروبا الريفية في نظر بعض سكان المدن، لا تقلّ وحشية عن الدببة التي تربّيها، وكانت العديد من الثقافات الريفية (بخاصة في مناطق البحر الأبيض المتوسط) لا تزال تعيش وفقاً لسلوكات متوارثة، كالثأر، وكانت بعض المجتمعات الأخرى لا تزال تمارس أعمالاً جماعية.
إن نظرة متعمقة في الثقافة الشعبية لا بد أن تشير إلى أوجه التشابه بين المناطق المختلفة، فعلى سبيل المثال، استكشف المؤرخ البريطاني إريك هوبسباوم استمرار ظاهرة قطاع الطرق، التي كانت مدعومة غالباً بشبكات عائلية ومجتمعية، كما في صقلية واليونان، وأشهرها المافيا في جنوب إيطاليا، كما ازدهرت في المجتمعات الشمالية، كما في قصص روبن هود وديك توربين التي تروى باستمرار في الثقافة الشعبية الإنجليزية.
من هنا، لا ينبغي استنتاج أن الثقافة الشعبية كانت قاتمة، أو عنيفة في معظمها، فقد احتفظت معظم مناطق أوروبا بمزيج من الثقافة الشفوية والحكايات الشعبية، من الأغاني، وفرق القرى، وقاعات الموسيقى العمالية، وعروض الشوارع والمهرجانات الترفيهية، وغيرها.
وقد شهد القرن التاسع عشر تحولاً في الثقافة الشعبية، فتراجع عالم الخرافات والسحَرة والأشباح والعرافين والأوهام، تدريجياً، لتحل محلّه ثقافة أكثر عقلانية، وبحلول القرن العشرين شهدنا استبدال الثقافة الشفوية للمجتمع الريفي بالثقافة المكتوبة للمجتمع الحضري، ما أحدث تحولاً في الثقافة الشعبية.
تشهد الإمارات نهضة كبيرة في مجال الفنون، خاصة التشكيلية، أهّلتها لتكون في مصاف الدول العربية، وهذه النهضة مدعومة برؤية شاملة تنتهجها الدولة لترسيخ ما يسمى «الاقتصاد الإبداعي»، وميزات هذه النهضة الفنية الشاملة كثيرة ومتنوعة، ومن أبرزها الجمع بين التراث التقليدي وبين الفنون المعاصرة، ومن خلال هذا السعي تتحول الإمارات إلى حاضنة عالمية للمشهد الفني المعاصر الذي يمزج بين الثقافات المتعددة، ما يعزز مكانتها وجهةً رائدةً في المشهد الفني العالمي.
يقودنا هذا الحديث، إلى مسألة غاية في الأهمية، لها علاقة بدور الفنون في تشكيل هوية حضارية جامعة، فمنطق الفنون يتجاوز الحدود الجغرافية للعالم، ليمثل حاضنة لكافة العناصر والمكونات الثقافية من آداب وعلوم ومعارف، هنا، يترسخ مفهوم الفن باعتباره جسراً عالمياً للتواصل الحضاري، وبوصفه يجسد القيم الإنسانية، ويسلّط الضوء على المشترك الإنساني بين مختلف الثقافات، وليس من المبالغة القول بأن الفنون تقع اليوم في قلب التحولات المجتمعية والثقافية والسياسية، من خلال ما تطرحه رؤية جمالية عميقة.
مؤخراً صدر في السعودية كتاب بعنوان (قضايا معاصرة.. في الفن التشكيلي والفكر الاجتماعي والنفسي)، إعداد نخبة من المفكرين، وميزة هذا الكتاب تتجلّى في تركيزه على تفكيك التداخل بين المعارف والعلوم والثقافات والفنون، ما جعله في مصاف المراجع التي تتناول دراسة النمو الجمالي، وطبيعة القضايا الاجتماعية المعاصرة، من بين المشاركين في الكتاب، يدرس د. عبد الحليم رضوي، قضايا الفن بربطها بالأهداف الإنسانية الشاملة؛ إذ يؤكد أن الفنون بما تحمله من قيم جمالية، هي نسيج لما هو موجود في الحياة، وما يختلج في أعماق الإنسان الفنان.
هنا، حديث عن وحدة الفنون، وبعبارة أصح، هو حديث موازٍ عن وحدة المشاعر الإنسانية، وشمولية التفاهم بين الأمم، الفنون بهذا المعنى، هي صورة عن اللبنات المكونة للبناء الحضاري الإنساني، وهي بكل تأكيد أنصع مثال للتعبير عن روح العصر الذي نعيشه من خلال ما تجسده من أحلام وطموحات البشر.
[email protected]
ربما تكون «الذاتية» هي الميزة التي تصف الشعر الحديث، وخاصة تلك القصائد التي نزعت نحو النثر وتطورت إلى ما يعرف اليوم بـ «قصيدة النثر». الذاتية هذه لها أسبابها، وتداعياتها الكثيرة كما يؤكد الشاعر الإماراتي ناصر البكر الزعابي، وهي ليست انفصالاً عن الواقع، ومناقشة قضاياه الكبرى، بقدر ما هي أداة للمقاومة في وجه العولمة، وربما «جفاء» التكنولوجيا. الذاتية في هذا المقام، هي تجسيد لمشاعر الفرد وتوثيق لهويته ورؤيته للعالم، وأيضاً لذاتيته المنفتحة التي تمنح مساحة للشاعر للتفاعل بين الخاص والعام، ولكن برؤية مختلفة، الغرض منها بحسب الزعابي هو استعادة الذات وحمايتها لمقاومة المحو، وطمس الهوية الشخصية للشاعر، لإثبات تفاعله مع العالم وقضاياه ولكن من خلال رؤية الشاعر وأفكاره وهواجسه.
يقول ناصر الزعابي: «أحياناً تقبع القصيدة الذاتية في حصار نفسي وهمي، خاصة مع الشاعر الذي يعيش حالة اغتراب وجودي، أو يعاني مؤثرات حياتية واجتماعية متعدّدة، وإذا كانت «الذاتية» هي تجسيد لوجدان الشاعر ورؤيته الخاصة للعالم، فإنها بهذا المعنى لا تقتصر على نقل المعنى فحسب، بل تمتد لتشمل إعادة تفسير الواقع من خلال منظور فني يمزج بين الوجدان والفكر، الذاتية في علاقتها مع رؤية الشاعر تعد فعلاً إبداعياً يتجاوز السطح إلى العمق، في مقابل هذه الرؤية الذاتية المعمقة، ربما ينسحب الشاعر، ويبتعد كثيراً عن ذلك الإسفاف الذي يشاهده يومياً من خلال النشر للبعض من دون حساب الذي أسهم في فترة سابقة في انحسار وهج بعض التجارب الشعرية، فأدى ذلك إلى عزوف الشباب عن الشعر واتجاههم نحو الأجناس الأدبية الأخرى، وأسهم ذلك في ترسيخ (الذاتية)» كمنطلق وهدف ورؤية.
يضيف الزعابي: «وبعيداً عن الخلافات حول أصل قصيدة النثر، التي تتهم بإغراقها في «الذات» الشخصية للشاعر، وبعيداً عن حكاية الحداثة وما بعدها، أجد أن هذه «الذاتية» تبدو طبيعية ونحن نعيش في عصر رقمي يتطور بسرعة مخيفة، ولا بد أن نجاري العصر دون أن نتخلى عن قضايانا الإنسانية والاجتماعية».
تركيز
حول اللغط الذي ينسب «ذاتية» الشاعر وتبنيه لقصيدة النثر، يوضح الزعابي بقوله: «لا شك في أن القصيدة العربية مرت بتحولات ومؤثرات جمة كباقي الأجناس الأدبية، ربما لا يزال الإعلام يركز على تجارب المشاهير لأكثر من نصف قرن، وقد ظهرت أجيال وأسماء مميزة لكنها لم تحظ بالفرص المناسبة ولم تحظ بقراءات نقدية عميقة أسوة بالشعراء الكبار، فظهرت قصيدة النثر التي تعتبر قصيدة متطورة تحاكي الواقع، وتتلمس التجديد ولكن بسرعة بطيئة، وكما أوضحنا فربما ساهم تراجع حركة النشر الورقي في انحسار الدواوين الشعرية خاصة في العقد الأخير، فمرت القصيدة بحالة من الوهن المؤقت، لكن الحقيقة تثبت أن هناك حراكاً شعرياً مميزاً في تجارب أثبتت حضورها العربي وربما تكون القصيدة الجديدة أو قصيدة النثر واحدة في هذا الاتجاه، مع الإقرار بأنها تعاني أحياناً إشكال التنميط والاستسهال، وربما تنسب إليها كتابات غير جيدة، إلا أنها حاضرة بقوة، رغم كونها لا تحظى بأولوية عند الناشرين عموماً.
يرى الزعابي أن الشعراء اليوم يبحثون عن منصات جديدة لنشر أفكارهم، من دون أن نغوص في التعميم والفواصل التي تميز بين أشكال القصيدة (عمودية، تفعيلة، نثر، شعراء»الهايكو» و»التانكا») أصبحوا اليوم يبحثون عن منصات جديدة ومنها منصات التواصل الاجتماعي، وها هم يتقاسمون هذا الفضاء التقني الذي بات كينونة أدبية تعوض الشاعر عن غياب الكيانات الأدبية».
يؤكد الزعابي أن مواقع التواصل الاجتماعي قد ساهمت في خلق حالة إبداعية جديدة ومغايرة عن وسائل النشر التقليدية، منحت الشاعر مساحة رحبة، تتيح له الانتشار أكثر من السابق، لكنها مساحة مقيدة بجمهور وتفاعل يدور في الفضاء التقني، عكس الوسائل القديمة التي تصل بالشاعر نحو مختلف شرائح المجتمع، ونتيجة لذلك تقوقع بعض الشعراء، فاتجهت القصائد نحو الإطار الذاتي، ولم نعد نجد العمق العاطفي والإنساني في هذا الطرح التقني المعتاد.
وحول هيمنة وسائل التكنولوجيا الحديثة على النتاج الأدبي والشعري بشكل خاص، يرى الزعابي أن هذه الوسائل منحت الشعراء مساحات رحبة لنشر إبداعاتهم بكل يسر، ومكنتهم من تسويق أنفسهم وعرض نتاجاتهم، لكنها ظلمت أسماء مميزة في هذا الزحام التقني، حيث يصعب التعرف إلى الأسماء المميزة إلا بعد بحث طويل، كما أنها فتحت إشكالية الاقتباس والسرقة الإبداعية، وفتحت ملف قرصنة الكتب مما أضر بالناشرين، فهي بحاجة ماسة إلى ضوابط وقوانين للحد من السلبيات.
انتشار واسع
من واقع تجربته الشخصية، يتحدث الزعابي عن أزمة تلقي الشعر الذي يحول دون انتشار أوسع للقصيدة الجديدة، حيث يؤكد أن انتشار القصيدة المعاصرة مرتبط بمعايير جديدة تختلف عن الوسائل القديمة، من حيث المضمون أو القضية أو مناسبة القصيدة، كما يلعب التوقيت دوراً حاسماً في انتشار القصيدة، إلا أن الإشكالية الكبرى هي بقاء القصيدة عالقة في أذهان المتلقي، وهذا هو أكبر التحديات الإبداعية المعاصرة.