أكد المستشار الدكتور محمد حسين بن علي، المحامي العام الأول في النيابة العامة بدبي، أن الدور الأصيل للنيابة العامة يتمثل في تحريك الدعوى الجزائية ومباشرتها منذ بدايتها وحتى نهايتها، وفق ما نظمه القانون، مشيراً إلى أن للنيابة العامة دوراً آخر مهماً في الجانب المدني، وهو دور قد يغيب عن أذهان البعض لارتباط النيابة غالباً بالشق الجزائي.
وأضاف أن المشرع الإماراتي رأى أن يكون للنيابة العامة تدخل في القضايا المدنية، وفق تنظيم محدد في قانون الإجراءات المدنية، بحيث تتدخل النيابة في بعض الحالات وجوباً وأخرى جوازاً، وذلك بما يعكس دورها المتكامل في مختلف المجالات.
جاء ذلك خلال جلسة «دردشات قانونية» التي نظمتها النيابة العامة بدبي بالتعاون مع مجالس أحياء دبي في مجلس أم سقيم مؤخراً، بمناسبة اليوم العالمي للقانون، بمشاركة المستشار طارق أحمد النقبي، رئيس نيابة أول، والمستشارة أمينة منصور أهلي، رئيس نيابة، وعبدالله صالح الرئيسي، رئيس نيابة مساعد نيابة المخدرات، وعدد من قيادات النيابة العامة بدبي وأفراد المجتمع.
النيابة المدنية: اختصاصات واسعة وتدخل وجوبي
واستهل الحديث المستشار طارق أحمد النقبي، موضحاً أن دور النيابة المدنية منصوص عليه في قانون الإجراءات المدنية، ويشمل التدخل في القضايا، سواء كانت تجارية أو مدنية أو عقارية. وقال إن من الحالات الوجوبية الأكثر شيوعاً في التطبيق العملي تدخل النيابة في الدعاوى المتعلقة بعديمي الأهلية وناقصي الأهلية والغائبين والمفقودين.
وبيّن النقبي أن عديمي الأهلية هم الأطفال دون 7 سنوات ومن في حكمهم، مثل المجانين والمعتوهين، بينما ناقصو الأهلية هم من تراوح أعمارهم بين 7 و21 سنة وفق الحساب الهجري، إضافة إلى السفيه وذي الغفلة؛ أما الغائب فهو من لا يعرف مكان إقامته أو موطنه، في حين أن المفقود هو الغائب الذي لا يعرف هل هو على قيد الحياة أم لا.
وأوضح أن تدخل النيابة في هذه القضايا إلزامي؛ لأنها تتعلق بحقوق فئات ضعيفة تحتاج إلى حماية قانونية؛ ومن أبرز الأمثلة العملية على ذلك قضايا إثبات النسب؛ إذ لابد أن تحال جميع دعاوى النسب إلى النيابة العامة لإبداء الرأي، نظراً لوجود طرف قاصر في القضية. مؤكداً أن محكمة تمييز دبي أرست مبدأ قضائياً، بضرورة إحالة مثل هذه القضايا إلى النيابة قبل الفصل فيها، سواء أمام المحكمة الابتدائية أو الاستئناف.
كما أشار النقبي إلى قضايا الحجر، حيث ترفع دعاوى من أقارب المصاب بآفة عقلية لطلب الحجر عليه وتعيين قيم لإدارة شؤونه. وفي إمارة دبي، يعهد القانون بمهمة القوامة إلى مؤسسة الأوقاف وإدارة أموال القصر، أما في الإمارات الأخرى فقد يعين القيم من أقارب الشخص.
مبادرة الصلح خير
فيما تناولت المستشارة أمينة منصور أهلي، رئيس نيابة، مبادرة «الصلح خير» التي أطلقتها نيابة دبي، مؤكدة أنها مبادرة رائدة تستلهم قيمها من إعلان صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، لعام 2025 عاماً للمجتمع تحت شعار «يداً بيد».
وأوضحت أمينة أهلي أن المبادرة تقوم على عرض فرص الصلح على الأطراف المتخاصمين في مختلف القضايا، بما يحقق تسويات ودية ترضي الطرفين وتحفظ استقرار المجتمع. وذكرت أن المبادرة بدأت من نيابة الأسرة والأحداث، ثم جرى تعميمها على النيابات الأخرى بعد نجاحها.
حماية المجتمع من آفة خطِرة
فيما استعرض عبدالله صالح الرئيسي، رئيس نيابة مساعد بنيابة المخدرات، دور النيابة العامة في مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية، مؤكداً أن هذه المهمة تمثل أولوية قصوى للدولة نظراً لخطورتها على الأفراد والمجتمع.
وأوضح أن دولة الإمارات لم تكتفِ بسن القوانين المحلية الصارمة، بل حرصت أيضاً على الانضمام إلى الاتفاقيات الدولية المعنية بمكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات، انطلاقاً من التزامها بحماية المجتمع وصون مستقبل الشباب. وأكد أن دور النيابة العامة في هذا المجال لا يقتصر على الملاحقة القانونية، بل يشمل كذلك المساهمة في التوعية والوقاية، باعتبارهما خط الدفاع الأول لحماية المجتمع من هذه الآفة.
واختتم المشاركون بالتأكيد على أن «دردشات قانونية» جاءت لدعم الجانب التفاعلي بين النيابة العامة والمجتمع، حيث لا تقتصر على المحاضرات الرسمية، بل تتيح الفرصة للمداخلات والنقاشات المفتوحة، بما يعكس روح المبادرة وأهدافها في ترسيخ العدالة والتسامح والتلاحم الاجتماعي.
مثال واقعي لقضية أسرية
قدمت المستشارة أمينة منصور أهلي، رئيس نيابة، مثالاً واقعياً لقضية أسرية بين زوجين بدأت بمشادة كلامية تطورت إلى اعتداء متبادل وبلاغ في مركز الشرطة؛ وبعد عرض الصلح على كل طرف على حدة، تجاوبا مع المبادرة، ليجتمع الزوجان في مكتب النيابة ويتبادلا الاعتذار، مع وضع شروط تضمن استمرار الأسرة؛ وبذلك انتهت القضية بحفظها وتحقيق الاستقرار الأسري.
كما عرضت مثالاً آخر في قضايا خيانة الأمانة، حيث استغل موظف مبلغاً مالياً يخص شركته لأغراض شخصية؛ وبعد فتح البلاغ وإحالة القضية، عرضت النيابة الصلح على الشركة التي وافقت بشرط سداد المبلغ. ومنحت النيابة المتهم مهلة أسبوعين لسداده، وبعد إيداع المبلغ في خزينة النيابة وتسليمه للشركة، تم حفظ القضية. وأكدت أمينة أن مثل هذه التجارب تعكس نجاح المبادرة في نشر ثقافة التسامح وترسيخ التلاحم بين أفراد المجتمع.