يعد التراث الإماراتي معيناً لا ينضب ومصدراً غنيا للإلهام الفني، وهو الذي دفع الكثيرين من التشكيليين إلى تفحص مفردات هذا التراث وتجسيده في لوحات فيها الكثير من الإدهاش بما عكسته من أصالة وعمق، ليبرز هذا التراث في صورة فنية حديثة ومعاصرة.


من الفنانات الإماراتيات المشغولات برسم عناصر التراث الإماراتي القديم، يبرز اسم هدى المزروعي التي أنجزت الكثير من اللوحات التي تغوص في هذا الموروث الخصب مثل قصص الغوص على اللؤلؤ، وسعف الخوص، وحكايات الربابة، وصناعة السفن، والصيد والفروسية وسواها، وتحاول هدى نقل هذا التراث إلى الجيل الجديد لإيمانها بأن الفن إنما يعبر عن رسالة يجب أن يطّلع عليها الجيل الجديد في الإمارات.

رسمت هدى المزروعي الكثير من تفاصيل البيئة التراثية الإماراتية بدافع من شغفها الفني حيث تحمل لوحاتها خصوصية تحسب لها ومن هذه اللوحات واحدة تصور «جامع أو قاطف التمر».


في هذه اللوحة يتعرف المشاهد إلى تفصيلة تراثية مهمة لها علاقة بالنخلة الإماراتية التي تعني الكثير فهي «شجرة الحياة» وترمز للخير والكرم والرزق، وتشكل عصب الحياة الإماراتية، كما توفر المأوى والسكينة والظل تحت أفيائها.


في اللوحة التي أمامنا، نشاهد رجلاً يتسلق النخلة ويقطف ثمارها، هو بالتأكيد هنا، يتسلق النخلة من أجل «جمع البلح» ووضعه في السلة، حيث يثبت منتصف جسده بإحكام إلى جذع النخلة، بواسطة الجريد أو «الحابول» كما يطلق عليه في اللهجة الإماراتية، و«الحابول» يصنع من عصي جريد النخل وهو حزام من ليف النخيل يستخدم لتسلق النخلة، عبارة عن جديلة قوية تساعد متسلق النخلة على الثبات والحماية من السقوط أثناء جمع التمور.


أبدعت هدى في رسم هذا المشهد اليومي من حياة الإماراتي في الزمن القديم، وكانت براعة إظهار التفاصيل في هذه اللوحة ظاهرة للمشاهد فثمة جذع النخلة في يمين الصورة الذي ظهر باللون البني، وفي المنتصف تظهر بعض تفاصيل النخلة حيث الأغصان خضراء اللون في الأعلى، وثمة غصن وحيد في الأسفل، وهناك ثلاث قطفات من النخيل مختلفة الأوزان باللون الأصفر في موازاة رأس الرجل، ويبدو متسلق النخلة وهو مشغول بجمع حبات البلح وقطفها ووضعها في السلة المثبتة بدورها في جسده ومثبتة من طرفها الآخر في جذع النخلة.


حزام الخوص الذي يثبت منتصف جسد الرجل، يبدو كذلك مؤمناً من طرفيه، طرف الرجل، وطرف النخلة، أما السلة المستخدمة في الرسم، فهي من خوص النخيل، أي تلك الأوراق المنسوجة يدوياً وتعرف هذه السلال بأسماء كثيرة مثل: «الجفير» و«الجراب» و«الزبيل»، وتصنع عن طريق جمع سعف النخيل الجاف وتقطيعه وتنظيفه وغليه وتجديله ليصبح طرياً وقابلاً للنسج.

* تفاصيل


السلة كما تظهر في اللوحة بلونها الأصفر، تعد جزءاً أساسياً من التراث الخليجي في مناطق زراعة النخيل، أما تسلق النخل، فهي مهنة تعرف بـ«صعود النخل» أو «الخرافة»، وهي من المهن المهددة بخطر الاندثار رغم أهميتها التاريخية والثقافية.


تحاول هدى المزروعي في هذه اللوحة تسليط الضوء على واحدة من المهن الرئيسية ذات الصلة بالنخل في التراث الإماراتي، والتي كان متسلقو النخل يستخدمون فيها أدوات شعبية مثل «التبلية» أو «الحابول» أي الحبل، من أجل قطف الرطب.


أما الرجل فقد ظهر بلباسه التراثي الأصيل، حيث الكندورة بلونها الأبيض، وغطاء الرأس وهو «الغترة» وتبدو بلونها الأبيض ملتفة حول رأس الرجل من دون عقال، لقد كانت الفنانة هدى المزروعي أمينة في نقل هذه المهنة ذات الصلة بالموروث الثقافي والاجتماعي.


ترسم هدى هذه اللوحة كما هي في الواقع، أو كأنها صورة طبق الأصل، وتقوم بتلوينها بحرفية ما يتقن مزج الألوان، فاللوحة تتطلب عناية دقيقة في الرسم.