أستانا: جمال الدويري
اختتم مؤتمر قادة الأديان العالمية والتقليدية «حوار الأديان: التآزر من أجل مستقبل أفضل»، دورته الثامنة في العاصمة الكازاخستانية أستانا، أمس الخميس، بتبني «إعلان أستانا للسلام - 2025»، الذي دعا إلى تعزيز التعايش بين مختلف الأديان والثقافات، ونبذ الكراهية، مشدداً على أن الإرهاب والتطرف لا يعرفان ديناً أو حضارة. أكد الدكتور عمر حبتور الدرعي، رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف والزكاة، أن الفهم المتبادل والتعاون المشترك يفتح آفاقاً رحبة للتلاقي الإنساني، بينما اختارت الأمانة العامة للمؤتمر عفراء الصابري، المديرة العامة في وزارة التسامح والتعايش، سفيرةً للنوايا الحسنة.
وقال الرئيس الكازاخستاني قاسم جومارت توكاييف، في اختتام المؤتمر، إنه في عصر التغيرات الجذرية في العالم، يقع على عاتق القادة الدينيين مسؤولية التمسك بالقيم الإنسانية المشتركة، مؤكداً أن المؤتمر توصل تفاهم مشترك حول جدول أعمال المؤتمر المستقبلي ومجالات العمل الرئيسية التي تشمل إعداد وثيقة حول دور القادة الدينيين في مكافحة تغير المناخ، إضافة إلى مبادئ عالمية للاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي من منظورين روحي وإنساني. كما أكد توكاييف أن مؤتمر قادة الأديان أظهر التزام الجيل الجديد بنهج الحوار والتفاهم المتبادل، بما يعزز فرص السلام في المستقبل، وقال إن «السلام هو كنزنا الأعظم، وهو قيمة متساوية في الأهمية لجميع البلدان والشعوب والأديان».
تعزيز ثقافة التسامح
وكان الدكتور عمر حبتور الدرعي، رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف والزكاة، قد أكد، في كلمته في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر، أن التكامل في عالم اليوم، لم يعد خياراً فكرياً، بل ضرورة وجودية، فالمستقبل لا يمكن أن يبنى إلا على جسور متينة من الفهم المتبادل والتعاون المشترك، وأن تعاون الرسالات السماوية وقادتها وأتباعها، هو ما يصنع مستقبلاً أكثر سلاماً واستقراراً، مشيراً إلى أن المجتمعات والشعوب اليوم بحاجة إلى تعزيز ثقافة التسامح والحوار والتعارف وإدماجها في المنظومات التربوية والدينية والمجتمعية، لتصبح جزءاً من تكوين الإنسان الراهن.
وأكد الدرعي أنه ينبغي في مثل هذه المنصات أن نثمّن الاختلافات، ونعترف بالفوارق، ونحترمها، ونسعى إلى رسم معالم تكاملها، مبيناً أن ما يميز تجربة دولة الإمارات في ترسيخ القيم الإنسانية السامية، أنها أنشأت منصات ومراكز، ومناهجَ وجامعات، وصروحاً وطنية، تجسد التكامل والحوار، لتبقى هذه المكتسبات والمشاريع والمبادرات الوطنية التي ترعاها قيادتها الرشيدة ركيزة سلام وسكينة واطمئنان يعمّ المجتمع بكل فئاته ومكوناته.
وأوضح أن ما تحقق من كفاءة حوارية عالمية، وانتعاش فكري، وتلاقٍ بين الأديان خلال العقدين الماضيين، يجب أن يصاحبه اليوم تحول من التنظير إلى التطبيق، ومن التأطير إلى التنزيل الواقعي.

وأضاف أننا بترسيخنا لهذه المعالم التي هي أكبر الموجّهات لنجاحاتنا نستطيع أن نحافظ على وتيرة التقدم هذه، والتي منها التأكيد على دور الأديان في العصر الراهن، وأن يكون العلماء والقادة الدينيون اليوم في مستوى هذه المسؤولية ويتحلّوا في أدائها بالصدق والأمانة والفاعلية، وكذلك صناعة جيل من الشباب، وإشراكه في الحوار الديني، والوعي بسياساته وأولوياته، لبناء مجتمعات مستدامة أكثر تسامحاً وسلاماً، وأيضاً عدم التغاضي عن الخطابات المتطرفة، والتأخر في تطويقها، والتساهل في مواجهة أي محتوى يروج للتشدد والكراهية باسم الدين يقوّض أسس هذا البناء.
وقال إن البيئة الخصبة لتنمية هذا المشروع تتوقف على قضايا جوهرية، فهذه القضايا هي شروط الإنبات الحقيقي لهذا المشروع، وعلى رأس تلك القضايا: الإيمان بالدولة الوطنية، وترسيخ المسؤولية الأخلاقية، وتفكيك المفاهيم المرتبطة بالحوار، والوعي بالقوانين والمواثيق، والاستثمار في التعليم والتقنية والذكاء الاصطناعي من أجل السلام، فصيانة الأوطان هي الغاية الكبرى من كل حوار.
وشارك في المؤتمر أحمد راشد النيادي، مدير عام الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف والزكاة، وعدد من مسؤولي الهيئة.
تطوير التوعية الدينية
وبحث الدرعي، مع نوريزباي حاج تاغانولي أوتبينوف، المفتي العام لكازاخستان ورئيس الإدارة الدينية لمسلمي كازاخستان، سبل تعزيز التعاون في مجالات الإفتاء وتطوير برامج التوعية الدينية. وتركز اللقاء الذي عقد على هامش المؤتمر، على تبادل الخبرات في إصدار الفتاوى الصحيحة وإيصالها للمتلقين بطرائق ابتكارية حديثة عبر التقنية الرقمية والذكاء الاصطناعي، وبذل الجهود لنشر قيم التسامح والاعتدال، وتعزيز الحوار بين الثقافات والأديان.
تكريم للإمارات
من جهة أخرى، أعلنت الأمانة العامة للمؤتمر عن اختيار عفراء الصابري، المديرة العامة في وزارة التسامح والتعايش، سفيرةً للنوايا الحسنة للمؤتمر، لمساهماتها البارزة في دعم ثقافة الحوار والتفاهم بين الشعوب، واحتفاءً بجهود الإمارات وقيادتها الرشيدة في رعاية كل المبادرات الرامية إلى ترسيخ السلم والأخوة الإنسانية محلياً ودولياً، في إنجاز جديد يعكس التثمين العالمي لدور الإمارات في تعزيز قيم التسامح والتعايش.
وأعربت الصابري عن اعتزازها بهذا الاختيار، مؤكدة أن هذا التكريم تثمين عالمي لدولة الإمارات والتزامها الراسخ ببناء جسور التعاون بين مختلف الثقافات والأديان، وبدورها منصة عالمية للحوار والإنسانية.
وشددت على أهمية أن يكون هذا التثمين العالمي بداية جديدة لمزيد من تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين دولة الإمارات ومؤتمر زعماء الأديان العالمية والتقليدية، ودعم المبادرات المشتركة التي تروج لثقافة السلام والاحترام المتبادل، انطلاقاً من إيماننا بأن التنوع هو مصدر قوة وليس انقساماً، مشيرة إلى أن دولة الإمارات حريصة على مواصلة العمل مع شركائها في العالم لتحقيق رؤية قائمة على التعايش والأخوة الإنسانية، وستظل منارة للتسامح والتعاون الدولي. وأضافت أن هذا التكريم العالمي يعكس العرفان الكبير بجهود الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير التسامح والتعايش، في دعم قيم التعايش السلمي واحترام التنوع الثقافي والديني في العالم، لأنها ركائز أساسية للتنمية المستدامة والسلام العالمي.
حديقة السلام والمصالحة
افتتح قادة الأديان حديقة السلام والمصالحة، التي ترمز إلى الصداقة والوحدة بين مختلف الأديان والقوميات في كازاخستان. وترمز حديقة السلام والمصالحة إلى فكرة تعزيز الحوار بين الأديان والثقافات، وتتميز ب«سماء مرصعة بالنجوم»، ونصب «شجرة الحياة»، وشلال متدفق. ويتوسط الفكرة الرئيسية للمشروع نصب «شجرة الحياة» وهي شجرة بلوط ترمز إلى توحد جميع الدول والشعوب وتربط الماضي بالحاضر والمستقبل، وتُجسّد هذه الحديقة الأملَ بمستقبلٍ مشرقٍ للجميع، بغضّ النظر عن معتقداتهم أو أعراقهم.
