حصلت مساعي الاستقلال الفلسطيني على زخم جديد اليوم الأحد، بعدما أعلنت ثلاث دول كبرى، وهي المملكة المتحدة وكندا وأستراليا، اعترافها الرسمي بدولة فلسطين، قبل انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة.

ومن المتوقع أن تنضم فرنسا هذا الأسبوع، بعدما أكد الرئيس إيمانويل ماكرون في يوليو الماضي أن بلاده ستعترف بالدولة الفلسطينية، فاتحةً الطريق أمام قوى دولية أخرى للانضمام.

يمثل الاعتراف من ثلاث دول ضمن مجموعة السبع، بينها عضوان دائمان في مجلس الأمن، محطة رمزية مهمة في مسيرة الفلسطينيين.

اعتراف دولي قد يغير معادلة الصراع

الاعتراف بدولة فلسطين الذي يبدو للبعض مجرد خطوة دبلوماسية، قد يحمل في الواقع تداعيات عميقة على خريطة الصراع الممتد منذ عقود، ويضع إسرائيل تحت ضغط دولي متزايد، خاصة في ظل الحرب المدمرة على غزة والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية.

هذا الزخم المتصاعد يفتح الباب أمام تساؤلات: هل يقترب العالم من إعادة إحياء مسار «حل الدولتين»، أم أن الحقائق على الأرض تجعل الاعتراف مجرد رمزية بلا أثر عملي؟

ماذا يعني الاعتراف؟

الدولة الفلسطينية موجودة، وغير موجودة في الوقت نفسه، فهي تمتلك اعترافاً دبلوماسياً واسعاً، وبعثات في الخارج، وحتى فرقاً رياضية تشارك في الأولمبياد.

لكن في الواقع لا تملك حدوداً متفقاً عليها، ولا عاصمة معترف بها، ولا جيشاً.

كما أن الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية، والحرب المدمرة في غزة، يجعلان السلطة الفلسطينية بعيدة عن السيطرة الكاملة على شعبها وأراضيها، ولكن تبقى هناك خمس نقاط أساسية تتمثل في متغيرات ما بعد الاعتراف بدولة فلسطين.

1-البعد القانوني للاعتراف

أكد خبراء القانون الدولي لصحيفة نيويورك تايمز، أن الاعتراف ليس مجرد خطوة رمزية، بل يترتب عليه التزامات قانونية على الدول المعترفة ومنها:

* احترام وحدة الأراضي الفلسطينية.

* ⁠الاعتراف بحقها في الدفاع عن نفسها.

* ⁠التزام تلك الدول، باعتبار الاحتلال انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، وفقاً لرأي محكمة العدل الدولية.

2-قوة الاعتراف الرمزية بفلسطين

رغم أن الاعتراف لا يغير شيئاً ملموساً على الأرض، فإنه يمثل تصريحاً سياسياً وأخلاقياً قوياً.

ذكّر وزير الخارجية البريطاني الأسبق ديفيد لامي الأمم المتحدة بأن لبلاده مسؤولية تاريخية خاصة بعد وعد بلفور 1917، الذي دعم إقامة وطن قومي لليهود، لكنه اشترط عدم الإضرار بحقوق السكان غير اليهود.

3-هل يفتح الطريق أمام حل الدولتين؟

الاعتراف يعيد النقاش حول حل الدولتين: دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وغزة وعاصمتها القدس الشرقية، بجوار إسرائيل.

لكن التوسع الاستيطاني الإسرائيلي الذي يضم نحو 600 ألف مستوطن في الضفة والقدس الشرقية، يجعل ترسيم الحدود عقبة كبرى أمام أي اتفاق مستقبلي.

4- مسؤوليات فلسطينية متزايدة

الاعتراف يضع أيضاً السلطة الفلسطينية أمام مسؤوليات أكبر، لإثبات قدرتها على إدارة دولة، بما يتطلب إصلاحات جادة وضبط أمني وسياسي، وهو ما سيخضع لاختبار حقيقي في المرحلة المقبلة.

5-واشنطن في مواجهة الأغلبية

أوقفت الولايات المتحدة في إبريل 2024، قراراً كان سيمنح فلسطين عضوية كاملة في الأمم المتحدة، رغم أن 12 دولة أيدت، وامتنعت بريطانيا وسويسرا، لتبقى واشنطن العقبة الرئيسية أمام هذا المسار.

وعلى الرغم من رفض إسرائيل والولايات المتحدة لهذه الاعترافات واتهامها بأنها «مكافأة للإرهاب»، إلا أن تلك الخطوة تعمّق من عزلة الطرفين، إذ أصبحت أكثر من 140 دولة تعترف بفلسطين.

واعتبر بعض المحللين مثل إليوت أبرامز، أن الاعتراف مجرد خطوة سياسية داخلية في هذه الدول، ولا يحقق مكاسب عملية للفلسطينيين.

لكن آخرين، مثل جولي نورمان من معهد RUSI، يرون أن الاعتراف جاء رداً على إصرار الحكومة الإسرائيلية على رفض حل الدولتين، معتبرين أن الأمن الإسرائيلي نفسه يتطلب قيام دولة فلسطينية مستقلة.

ضغط الحرب في غزة

يرى محللون تحدثوا لشبكة الإذاعة البريطانية أن هذه المواقف، تعكس استياء دولياً متنامياً من إدارة إسرائيل للحرب في غزة، التي أسفرت عن سقوط عشرات الآلاف من الضحايا الفلسطينيين، وأغرقت نحو مليوني إنسان في دائرة الجوع والفقر المدقع.

ويواجه قطاع غزة كارثة إنسانية غير مسبوقة، فالحرب المستمرة منذ قرابة عامين خلفت أكثر من 200 ألف قتيل وجريح، بخلاف المجاعة المستمرة وتدمير البنية التحتية، بينما يتحدث خبراء وقوى حقوقية دولية عن جرائم إبادة جماعية.

الواقع الميداني ينسف الحلم

رغم الاعترافات المتتالية، يرى محللون أن إقامة دولة فلسطينية مستقلة أصبحت أبعد من أي وقت مضى، لأن سياسات إسرائيل المستمرة في توسيع المستوطنات، وتقويض السلطة الفلسطينية، وفرض وقائع عسكرية على الأرض، جعلت فكرة «حل الدولتين» شبه مستحيلة.

حكومة نتنياهو واليمين المتطرف

ترفض الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي توصف بأنها الأكثر تطرفاً في تاريخ إسرائيل، بشكل صريح إقامة دولة فلسطينية.

وزراء بارزون مثل بتسلئيل سموتريتش يعلنون بوضوح أن التوسع الاستيطاني سيقضي نهائياً على أي أفق لدولة فلسطينية.

ويعيش أكثر من 700 ألف مستوطن إسرائيلي اليوم في الضفة الغربية والقدس الشرقية، في مستوطنات تعتبر غير شرعية دولياً.

ومع مشاريع توسع ضخمة مثل مشروع E1، تتحول الضفة إلى جزر فلسطينية متقطعة محاصرة بالحواجز والطرق العسكرية.

الأمن أم الاحتلال؟

بحسب تحليل صحيفة نيويورك تايمز، تتمسك إسرائيل والولايات المتحدة بأن الاعترافات الغربية «لا تفيد الفلسطينيين»، متذرعة بمخاوف أمنية.

لكن محللون يرون أن إنهاء الاحتلال وإقامة دولة مستقلة هو الضمانة الحقيقية لأمن إسرائيل والمنطقة، وليس استمرار السيطرة العسكرية.

هل تتحول الرمزية إلى فعل؟

يبقى السؤال: هل تترجم الاعترافات إلى إجراءات عملية؟ الاتحاد الأوروبي يملك أوراق ضغط اقتصادية ضخمة باعتباره الشريك التجاري الأكبر لإسرائيل، وقد بدأ بالفعل بمناقشة عقوبات على المستوطنين المتطرفين ومراجعة الاتفاقيات التجارية.

أوروبا تتحرك بخطى متسارعة

لم تكن هذه الخطوات معزولة، فقد سبقتها إسبانيا وأيرلندا والنرويج العام الماضي، لتصبح أوروبا ساحة رئيسية لإعادة رسم معادلة الاعتراف بفلسطين.

الأرقام تكشف التوازنات الدولية

• من بين 32 دولة في الناتو، اعترفت 13 بفلسطين.

• داخل مجموعة العشرين (G20)، 10 دول اعترفت بالفعل، ومع انضمام بريطانيا وكندا وفرنسا وأستراليا سيرتفع العدد إلى 14.

• في مجلس الأمن، سيبقى الموقف الأمريكي معزولاً، إذ ستكون واشنطن العضو الدائم الوحيد الرافض للاعتراف.