د. أيمن سمير

وسط «ألسنة اللهب» التي تشتعل على الحدود وفي الخرائط يخشى دعاة السلام والاستقرار من انزلاق العالم نحو «البجعة السوداء» وهي سيناريو يقوم على أن الأحداث الصغيرة في خضم التنافس والصراع الدولي الحالي يمكن أن تتطور وتتحول بسرعة إلى حرب عالمية، فتخزين السلاح وخطابات الكراهية والأنانية السياسية وغياب «الخطوط الساخنة» وشيوع «الانطباعات الخاطئة» كلها عوامل توفر بيئة خصبة ل«الحرب بالخطأ» وهو ما يقول إن ما يحدث في العالم أكثر خطورة مما كان قبل اندلاع الحربين العالميتين الأولى والثانية

سبب هذه المخاوف أن «دوائر ومساحات الاحتكاك العسكري» بين القوى المتصارعة باتت كثيرة وقريبة من بعضها البعض وتنتشر في أغلبية الكرة الأرضية من الكوريتين وبحر الصين الجنوبي شرقاً وحتى منطقة الكاريبي غرباً، مروراً بالصراع في أوكرانيا والشرق الأوسط والمخاوف من استئناف القتال من جديد بين إسرائيل وإيران ولعل اتهام روسيا بالهجوم على شرق وجنوب بولندا ورومانيا خير شاهد على خطورة توسع الحرب الروسية الأوكرانية إلى أراضي «حلف الناتو» الذي قام بالفعل بتفعيل «المادة الرابعة» من ميثاق الحلف الأطلسي لإجراء مشاورات حول كيفية الاستعداد للوقوف الجماعي ضد روسيا

اليوم هناك اتفاق بين «مخططي الحروب» بأن وقوع خطأ في الحسابات والتقديرات بين الصين وتايوان يمكن أن يتحول بسرعه إلى حصار صيني على تايوان بما يعطل الملاحة وتريليونات التجارة الدولية التي تمر في مضيق تايوان، الأمر الذي سوف يدفع نحو حرب عالمية تصطف فيها الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران ضد الولايات المتحدة وتايوان واليابان وكوريا الجنوبية وإستراليا ونيوزيلندا.

تنافس محموم

التنافس المحموم حول امتلاك «القنابل النووية التكتيكية» بين دول النادي النووي التسعة على أشده، فالولايات المتحدة تنفق وحدها نحو 120 مليار دولار على تطوير وتحديث القنابل والرؤوس النووية ولأول مرة منذ أيام شارل ديجول تتفق فرنسا والمملكة المتحدة على توحيد «السلاح النووي» الذي تمتلكه كلٌ من لندن وباريس في مواجهة الترسانة النووية الروسية التي تزيد على 5 آلاف رأس نووي جاهزة للإطلاق والأكثر خطورة هو عودة الولايات المتحدة هذا العام لنشر رؤوس نووية في الأراضي البريطانية بعد نحو 15 عاماً من سحبها،

الخطورة تكمن في المواقف الحادة بين الشرق والغرب حيث تؤكد واشنطن أنها لن تقبل بالقفز على نظام «العالم القائم على القواعد» الذي تأسس منذ نهايات الحرب العالمية الثانية وانهيار الاتحاد السوفيتي السابق في 25 ديسمبر 1991، فهل الصدام العسكري بين القوى الكبرى «بات حتمياً» لتتحول «خطوط الكراهية» إلى «جبهات للقتال»؟ وهل وصلت البشرية إلى مفترق طرق لا يمكن الخروج منه إلا بالدخول في حرب عالمية ثالثة؟ وماذا عن «فخ ثيوسيديدس» والصراع بين قوى تريد «الحفاظ على القواعد» ونظام القطب الواحد وقوى أخرى ترى أن الوقت قد حان لتغيير المعادلة وولادة نظام عالمي جديد يقوم على تعدد الأقطاب وتساوي المصالح والمسئوليات؟

إدراك للخطورة

الإدراك والشعور بخطورة الانزلاق نحو حرب عالمية ثالثة لا يقتصر فقط على النخب العسكرية والسياسية ومراكز التفكير في العالم، بل وصل إلى المواطن العادي في الشارع وهو ما عكسته استطلاعات الرأي خصوصاً في الولايات المتحدة وأوروبا ووفق استطلاع رأي أجراه مركز «يوجوف» في شهر مايو من العام الجاري فإن نصف الأمريكيين والأوروبيين يرجحون اندلاع حرب عالمية ثالثة خلال السنوات المقبلة وينظر معظمهم إلى التوترات مع روسيا والصين على أنها السبب الأكثر ترجيحاً لنشوب هذه الحرب وقال 55% في 5 دول أوروبية هي بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا بأن نشوب حرب عالمية ثالثة «مرجح جداً» في الفترة المقبلة وهو رأي يتفق معه 45% من الأمريكيين، لهذا بدأ مواطنو هذه الدول يستعدون لتحديات وتداعيات الحرب من الآن مثل الرضا بإنفاق أقل على الخدمات الاجتماعية مثل الخدمات الصحية والتعليمية مقابل إنفاق عسكري غير مسبوق والتدريب والمحاكاة على خطط الطوارئ بما فيها كيفية الاستجابة للتحذيرات في حالة نشوب حرب نووية ويأتي كل هذا نتيجة لوجود خطوات وقرارات كثيرة يرى البعض فيها مقدمة لإمكانية الانزلاق نحو حرب عالمية جديدة ومن أبرز هذه القرارات هي:

أولاً: الخروج من اتفاقيات «تقييد السلاح»

كانت فترة الحرب الباردة أكثر الفترات التي كاد أن ينزلق فيها العالم إلى حرب ساخنة خصوصاً أثناء الحرب في فيتنام وكوريا ثم أزمة خليج الخنازير في كوبا في أبريل 1961، لكن رغم كل ذلك التزم «حلف وارسو» بقيادة الاتحاد السوفيتي السابق وحلف «الناتو» بقيادة الولايات المتحدة بسلسلة من الاتفاقيات والمعاهدات التي منعت التوسع في إنتاج ونشر واستخدام كافة أنواع الأسلحة سواء كانت تقليدية أو نووية ونجحت هذه الاتفاقيات في التخلص من كميات كبيرة من السلاح، لكن نحن الآن على النقيض تماماً من ذلك حيث انسحبت الولايات المتحدة وروسيا من كافة الاتفاقيات التي كانت نتاج نضال وضغوط من دعاة السلام طوال أكثر من نصف قرن وهو ما يهدد عملياً بالتورط في حرب عالمية حيث انسحبت واشنطن وموسكو من عدة معاهدات لتقييد التسلح وهي:

1 - معاهدة الأسلحة التقليدية في أوروبا

في نوفمبر عام 2023 انسحبت الولايات المتحدة وروسيا من «معاهدة الحد من الأسلحة التقليدية في أوروبا» التي سبق أن وقعها الطرفان في 19 نوفمبر عام 1990، والتي كانت تشترط أن كل طرف لا يجب أن يحشد أكثر من 20 ألف دبابة، بينها 16 ألفاً و500 دبابة فقط في وحدات قتالية ولا يزيد عدد المدرعات عن 30 ألف مدرعة وألا يزيد حجم المدرعات في الوحدات القتالية عن 27 ألفاً و300 مدرعة، كما تعهد الطرفان بأن الحد الأقصى للمدفعية لا يزيد على 20 ألف مدفع في كل جهة ولا يتجاوز عدد المدافع في جبهات القتال عن 17 ألف مدفع واتفق حلفا وارسو والناتو على ألا يتجاوز عدد الطائرات المقاتلة 6800 طائرة وألا يتجاوز أي طرف سقف عدد المروحيات القتالية البالغ 2000 مروحية هجومية وكانت تغطي هذه الاتفاقية مساحة شاسعة من جبال الأورال شرقاً حتى المحيط الأطلنطي غرباً، كما أنها ألزمت الطرفين بالتخلص من أي أسلحة أو عتاد يزيد عن هذه الكميات المنصوص عليها في الاتفاقية

2 - السماوات المفتوحة

حتى لا تحدث حرب عالمية «سريعة أو خاطفة» سبق للولايات المتحدة وروسيا الاتفاق على ما سمى ب«اتفاقيات السماوات المفتوحة» عام 1992 ووقع عليها 32 دولة وتدعو إلى الحد من التسلح عن طريق تسيير رحلات جوية «غير مسلحة» فوق الدول الموقعة على الاتفاق، وبدأ العمل بها في أول يناير 2002 وتسمح للدول الأعضاء باستخدام طائرات استطلاع مزودة بأجهزة رؤية تمكنها من رصد جميع أنواع الأسلحة الموجودة على الأرض أثناء تنفيذ مهمتها وكانت الاتفاقية تهدف إلى تعزيز التفاهم المتبادل والثقة عن طريق إعطاء جميع الأعضاء في الاتفاقية دور مباشر في جمع المعلومات عن القوات العسكرية للطرف الآخر، لكن للأسف الشديد خرجت روسيا والولايات المتحدة من هذه الاتفاقية في 28 مايو 2021 وهو ما يعزز الشكوك في خطوات وسياسات كل طرف تجاه الطرف الآخر.

3 - نيوستارت

أعلنت موسكو في 2 مارس 2024 تعليق مشاركتها في اتفاقية «نيوستارت» التي تم توقيعها في براغ التشيكية لأول مرة في 8 أبريل عام 2010 لمدة 10 سنوات بحضور الرئيس الروسي السابق ديمتري ميدفيدف والرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما وتم تجديدها لمدة 5 سنوات فقط بعد تولي الرئيس جو بايدن الحكم عام 2021، كان يفترض أن يتم تجديدها قبل فبراير العام المقبل 2026 وتنص على تخفيض الحدود القصوى للرؤوس الحربية الهجومية الاستراتيجية للبلدين بنسبة 30% والحدود القصوى لآليات الإطلاق الاستراتيجية بنسبة 50%، ترى روسيا أن الولايات المتحدة تلتف حول هذه الاتفاقية لمساعدة أوكرانيا في مهاجمة المواقع الاستراتيجية الروسية وسبق لواشنطن أن قررت حجب «البيانات النووية» عن روسيا، وعملياً سوف يؤدى تعليق العمل بهده الاتفاقية لإنهاء العمل بكل المعايير التي كانت تحد من المنافسة النووية بين البلدين خلال العقود الماضية خاصة أن موسكو وواشنطن تملكان ما يقرب من 90% من الرؤوس النووية في العالم.

4 - «حظر التجارب النووية»

هي الاتفاقية التي كانت تمنع الدول الأعضاء من إجراء أي تجارب نووية جديدة ونجحت هذه الاتفاقية في إلزام الدول التي لديها بالفعل رؤوس نووية، أو تلك التي لديها قدرات نووية لكنها قررت عدم إنتاج سلاح نووي، نجحت هذه الاتفاقية في منع إجراء أي تجربة نووية جديدة منذ أن وقعت روسيا على هذه المعاهدة في نيويورك في 24 سبتمبر1996، وصدقت عليها في 27 مايو 2000 وجرى بالفعل بناء 321 محطة رصد و16 مختبراً في 89 دولة وتم تشغيل نحو 90% بهدف إرسال البيانات من محطات الرصد بقصد تحليلها، كما تتاح للدول الأعضاء بيانات نظام الرصد الدولي ونتائج تحليل مركز البيانات والهدف من كل ذلك تقليص الأسلحة النووية والتخلص منها في نهاية المطاف، إضافة إلى حظر التجارب بتقييد تطوير الأسلحة النووية ووقف تطوير أنواع جديدة متقدمة من الأسلحة النووية وهو ما شكل طوال السنوات الماضية إطاراً قوياً لنزع السلاح النووي وعدم انتشاره، لكن كلاً من موسكو وواشنطن أكدتا بعد الحرب الروسية الأوكرانية أنهما غير ملتزمتين بهذه الاتفاقية بما يفتح الباب على مصراعيه ليس فقط للتوسع في الاسلحة النووية الحالية، بل بإضافة أنواع جديدة أشد فتكاً مما هو متاح لدول النادي النووي التسعة.

5 - الصواريخ النووية

انسحبت الولايات المتحدة وروسيا في أغسطس عام 2019 من اتفاقية «منع إنتاج ونشر الصواريخ القصيرة والمتوسطة التي تحمل رؤوساً نووية في أوروبا» والتي كانت توصف باعتبارها أكبر الإنجازات التي توصل إليها الزعيم السوفيتي ميخائيل جورباتشوف والرئيس الأمريكي رونالد ريجان عام 1987 ونتيجة للخروج من هذه الاتفاقية تتهم الصين الجيش الأمريكي بأنه بدأ في نشر هذه الصواريخ التي تحمل رؤوساً نووية في القواعد الأمريكية في آسيا وبعد الخروج من هذه الاتفاقية يمكن للصواريخ الروسية التي تحمل رؤوساً نووية أن تصوب نحو العواصم الأوربية مثل برلين ولندن وباريس دون أي قيود أو موانع قانونية.

ثانياً: «فخ ثيوسيديدس»

على مدار ال500 عاماً السابقة حلت 16 قوة صاعدة محل 16 قوة عالمية مهيمنة وفي الوقت الحالي تسعى الصين أن تصبح الدولة الأولى المهيمنة محل الولايات المتحدة الأمريكية وفي 12 مرة خلال القرون الخمس الماضية كان الدولة الصاعدة تتبوأ مكان الدولة المهيمنة فقط عبر «الحرب» بحيث يتم هزيمة الدولة المهيمنة لتحل محلها الدولة الصاعدة وهو ما يسمى «فخ ثيوسيديدس»

Thucydides›s Trap

والذي يقول إن حلول دولة محل دولة في قيادة العالم لا بد أن يجتاز الطرفان «الحرب»، وتنتصر القوة الجديدة على الدولة التي كانت مهيمنة وجرى هذا حتى قبل القرون الخمس الماضية بمئات السنين حينما بدأ الصراع بين أسبرطة وأثينا عندما كان يعيش وقتها المؤرخ اليوناني ثيوسيديدس، وهذا واضح في الحسابات الصفرية لكل من واشنطن وبكين حيث تتشبث الولايات المتحدة بهيمنها وتفردها على المستوى العالمي بينما تزحف الصين بقوة نحو المركز الأول.

ثالثاً: تسويق الخوف

يتسابق الجميع ل«تسويق الخوف» من الطرف الآخر، الأمر الذي يدفع إلى شيوع نمط الكراهية والتوجس من الدول والشعوب الأخرى، ففي روسيا هناك خطاب يحذر من سعي الغرب بقيادة الولايات المتحدة وحلف «الناتو» لتفكيك الاتحاد الروسي على غرار تفكك الاتحاد السوفيتي ويعتمدون على الإعلان الغربي الصريح بالعمل على هزيمة روسيا استراتيجياً في أوكرانيا، وفي الصين يعتمد الخطاب السياسي والإعلامي على أن الغرب لا يقبل أن تنافسه الصين سياسياً أو اقتصاديا، على الجانب الآخر يصور الأوروبيون روسيا بمثابة الدولة التي تريد ابتلاعهم خلال سنوات قليلة لدرجة أن وزيرة الصحة الفرنسي كاثرين فوترن نصحت المستشفيات بالاستعداد للحرب مع روسيا وقام الجيش البريطاني بتفعيل «خطة سرية» لحماية العائلة المالكة والحكومة البريطانية أثناء الحرب مع روسيا وتتحدث الحكومة الألمانية أن روسيا تجهز للحرب مع أوروبا عبر تأسيس جيش قوامه نحو 5 ملايين جندي والآلاف من الدبابات الحديثة وملايين الطائرات المسيرة وهو ما يخلق بيئة عدائية تجاه روسيا والصين من جانب وأوروبا والولايات المتحدة واليابان وأستراليا من جانب آخر.

نحن اليوم في حاجة لتذكر ما قاله السياسي والثوري الهندي الشجاع المهاتما غاندي عندما قال: «نكسب معركتنا لا بمقدار ما نقتل من خصومنا بل بمقدار ما نقتل رغباتنا في قتل الآخرين».

«البجعة السوداء»

[email protected]