د. أيمن سمير

ذات يوم في نهايات الحرب العالمية الثانية، وقبل أن يتوفى في البيت الأبيض في 12 أبريل 1944، اتصل الرئيس الأمريكي الأسبق فرانكلين روزفلت برئيس الوزراء البريطاني ونستون تشريل وسأل روزفلت صديقه وشريكه في الحرب العالمية الثانية، ما هي التسميه التي يمكن أن نطلقها على الحرب التي استمرت من عام 1939 حتى عام 1945 وكان رد تشرشل سريعاً نسميها «الحرب غير الضرورية» واتفق معه الرئيس روزفلت في هذا التقييم رغم أن شعوب الأرض أطلقت على هذه الحرب التي استمرت نحو 6 سنوات «الحرب العالمية الثانية»، فعلى الرغم من خطر النازية والفاشية، وسيطرة هتلر عام 1939 على دول أوروبية بأكملها مثل بولندا إلا أن تشرشل -الذي كان مثالاً للقوة والمثابرة- رأى في نهاية المطاف أن الحرب العالمية الثانية كانت «حرب غير ضرورية» وكان يمكن تجنبها واستخدام وسائل أخرى غير الحرب العالمية لإفشال أهداف وخطط هتلر وموسوليني دون إزهاق أرواح نحو 70 مليون شخص راحوا ضحية هذه الحرب.


اليوم مع المؤشرات الكثيرة والدوافع المختلفة التي يمكن أن تقود إلى حرب عالمية ثالثة يظل الرهان على سلسلة من الكوابح والموانع التي تجعل البشرية تفكر ألف مرة قبل الانزلاق إلى أتون حرب عالمية ثالثة، لعل أبرز تلك الكوابح تأتي من الدول التي دخلت بالفعل حروباً في العقدين الأخيرين ولم تتعاف بعد من ارتداداتها السلبية السياسية والاقتصادية والعسكرية بل والنفسية أيضاً، فعلى سبيل المثال دفعت الولايات المتحدة ثمناً باهظاً لحربها الكونية على الإرهاب وخسرت نحو تريليون دولار، وقتل أكثر من 3500 جندي أمريكي بحسب دراسة لجامعة براون، ولم تحقق واشنطن أي عائد من هذه الحرب التي استمرت لنحو عقدين، واضطرت في النهاية للانسحاب من العراق وأفغانستان وها هي روسيا وأوكرانيا يدفعان ثمناً غالياً لهذه الحرب التي عجز العالم أجمع أن يضع نهاية لها منذ 3 سنوات وبعد الخسائر الفادحة التي سببتها جائحة كورونا أيقن العالم أنه «غير جاهز» لمواجهة الجوائح الخطرة فكيف له أن يوفر الدعم المالي واللوجستي والعسكري في أي نزاع عالمي قادم، ناهيك عن اليقين بأن أي حرب قادمة سوف تتضرر منها كل الدول العظمى والكبرى والمتوسطة وحتى الصغيرة، لأن طبيعة الاقتصاد العالمي في الوقت الحالي باتت متشابكلة ومترابطه، ويصعب قطع الخطوط بينها، فالرئيس الأمريكي السابق جو بايدن فشل في فصل الاقتصاد الأمريكي عن الاقتصاد الصيني، لأن الكثير من الأسلحة والذخيرة يحتاج تجميع مكوناتها إلى التعاون بين أكثر من دولة، فالجيش الأمريكي اكتشف أن المغناطيس الذي يربط مقعد الطيار في الطائرة الأمريكية الشبحية من طراز «إف 35» يتم استيراده من الصين التي تحيط بها قواعد أمريكية تستضيف مئات الطائرات من هذا الطراز «إف 35»
أيضاً تضيف التعقيدات التكنولوجية الخاصة بالأسلحة دوراً كبيراً في التفكير ملياً قبل اتخاذ قرار بالحرب حيث تحتاج الأسلحة والذخيرة الحديثة سلسلة معقده من الإمدادات وهو ما يجعل كمية السلاح والذخيرة المتاحة أقل بكثير مما تحتاجه الدول للدخول في حروب طويلة رغم الإنفاق القياسي على الشؤون الدفاعية، فما هي الكوابح الحقيقية التي تحول دون الاندفاع نحو حروب عالمية جديدة؟ وهل تسهم «ثقافة الحياة» و«الأمراض الجديدة للجيوش» في تجنب الوقوع في فخ الحروب والنزاعات الدولية؟

أولاً: تشقق التحالفات


قامت الحرب العالمية الأولى لأنه كان لدى النمساويين قناعة كاملة بالدعم الألماني المطلق وغير المشروط وكان هذا أكبر تشجيع للإمبراطورية النمساوية لدخول الحرب العالمية الأولى وفي الحرب العالمية الثانية لم يشك أودلف هتلر لحظة واحدة في دعم وإخلاص بينتو موسوليني، لكن اليوم باتت الشكوك هي العنوان الحقيقي للتحالفات العسكرية، فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب قال أكثر من مرة: إنه لن يدافع عن دولة لا تدفع ما عليها لحلف دول شمال الأطلسي «الناتو» ولا يوجد أي يقين لدى دول «الناتو» بأن الرئيس ترامب سوف يدافع عنهم إذا ما تعرضت أي دولة في الحلف «الأطلسي» لعدوان خارجي.
نفس السيناريو يتعلق بكلا من اليابان وكوريا الجنوبية حيث تشير التقديرات في البلدين إلى ضرورة أن تقوم الحسابات الأمنية الخاصة بهما على الاعتماد على الذات أكثر من أي وقت مضى وفي منطقة «الإندو- باسيفيك» لم يجتمع الرئيس ترامب بقيادة «تحالف أوكوس» الذي يضم مع الولايات المتحدة كلاً من بريطانيا وأستراليا، بل نشب خلاف لم ينته بعد بين الولايات المتحدة وأكبر شركائها في تحالف «كواد الرباعي» الذي يضم مع الولايات المتحدة كلاً من أستراليا واليابان والهند حيث تحدث الرئيس ترامب بنفسه عن احتمالية خسارة بلاده للتحالف مع الهند وعلى الجانب الآخر هناك تعاون وثيق بين الصين وروسيا، لكن هذا التعاون لم يصل في يوم من الأيام إلى«التحالف العسكري» خصوصاً أن البلدين دخلا حرب حدودية عام 1969 وكل هذا لا يوفر بيئة داعمه للدخول في حرب عالمية جديدة.

ثانياً: مبدأ مونرو والدفاع القريب


تشير أفكار واستراتيجيات مخططي الحرب الأمريكية إلى أن الولايات المتحدة بصدد مراجعة كاملة للقواعد العسكرية الأمريكية التي يصل عددها لنحو 800 قاعدة عسكرية كبيرة حول العالم تضم نحو 220 ألف جندي وأن واشنطن بعد استكمال مشروع «القبة الذهبية» الدفاعية وتأمين الأراضي الأمريكية من البحر والجو والفضاء سوف تعود تدريجياً إلى «مبدأ مونرو» والدفاع القريب، ويقوم «مبدأ مونرو»-الذي وضعه الرئيس الأمريكي الأسبق جيمس مونرو عام 1923- على التركيز على المجال الحيوي للولايات المتحدة في أمريكا الجنوبية ونصف الكرة الغربي، والتخلي تدريجياً عن مبدأ «الدفاع البعيد» الذي عملت عليه الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية وفترة الحرب الباردة ويعزز من ذلك حديث أصحاب هذا التوجه بأن الولايات المتحدة يحميها المحيطان الهادىء والأطلنطي، والقبة الذهبية وأكبر جيش في العالم وكل هذا من شأنه أن يقلل فرص اندلاع حرب عالمية حيث يمثل الحشد العسكري الأمريكي الحالي في أوروبا والشرق الأوسط، وشرق آسيا ومنطقة الأندو-باسيفيك، حدود تماس واحتكاك مع القوى العسكرية الأخرى سواء كانت قوى إقليمية أو دولية وخير تعبير عن هذا التوجه الأمريكي الجديد هو «استراتيجية الإطار» التي يعمل عليها الآن الجنرال براد كوبر قائد القيادة المركزية الجديد والتي تهدف إلى تقليص الانتشار العسكري الأمريكي في إقليم الشرق الأوسط، واستبداله بشراكات جديدة تقوم على التدريب وتوريد السلاح والتصنيع المشترك للسلاح والذخيرة بدلاً من الوجود العسكري المباشر.

ثالثاً: الأمراض الجديدة في الجيوش


تعاني جيوش جميع الدول العظمى والكبرى مشكلات بنيوية وتراجع حاد في إقبال الشباب على الالتحاق بالجيوش سواء في التجنيد التطوعي أو الإجباري، فهروب بعض الشباب الروسي والأوكراني من بلادهم حتى لا يلتحقوا بالجبهة شاهد على التحديات الضخمة في تعبئة وحشد الجنود للقتال فترات طويلة وفي بريطانيا تراجع عدد الجيش البريطاني إلى أقل من 70 ألف جندي وهو عدد أقل من تعداد الجيش البريطاني قبل نحو قرنين ويتساوى مع عدد الجيش البريطاني أيام نابليون بونابرت وخلال عام 2023 حققت وزراة الدفاع الأمريكية «البنتاجون» نحو 60% فقط من أهداف التجنيد حيث بات الشباب الأمريكي يعزف عن الالتحاق بالجيش لأسباب كثيرة منها أن الأجور في القطاع المدني أعلى بكثير من الجيش وأيضاً الخوف من الذهاب إلى جبهات ساخنه بعد التجربة المريرة للجنود الأمريكيين في العراق وأفغانستان وتبحث أغلبية دول حلف شمال الأطلسي «الناتو» في خيارات جديدة لإقناع الشباب بالانضمام إلى القوات المسلحة وبعض الدول التي فشلت في تأمين العدد المطلوب من الجنود لجأت إلى «التجنيد الإجباري» حتى للنساء كما جرى في النرويج وهذه كلها شهادات تؤكد عدم الثقة بأن هناك جنود جاهزون للقتال في نزاعات طويله، لأن الفشل في حشد الجنود قد يؤدي إلى هزيمة كبيرة، وكل ذلك يدفع للتفكير مرات ومرات قبل اتخاذ قرار الدخول في حرب عالمية جديدة.

رابعاً: تكنولوجيا الأسلحة الجديدة


كل المؤشرات تؤكد أن هناك صعوبة كبيرة في تصنيع الأسلحة الحديثة، فرغم إنفاق نحو 2.7 تريليون دولار العام الماضي للشؤون الدفاعية بات إنتاج صواريخ مثل خافلين وستينجر وهيمارس أو منظومة دفاعية من طراز «ثاد» أو «باتريوت» يحتاج إلى وقت طويل ومصانع عملاقة، على سبيل المثال وصل إجمالي طلبيات الطائرات العسكرية لدول الاتحاد الأوروبي من شركتي لوكهيد مارتن وريثنون تكنولوجيز لنحو 500 طائرة عسكرية، لن تصل الكميات الأولى منها قبل عام 2028، وهو ما يقول: إن توفير خطوط إمداد مستدامه من السلاح والذخيرة لسنوات طويلة من الحرب سوف يكون مستحيلاً وبرغم استقطاع نحو 3% من الناتج العالمي للإنفاق على السلاح والذخيرة، هناك نقص شديد في السلاح والذخيرة في كل الجبهات الباردة والساخنة، في أوكرانيا تحتاج كييف لنحو 250 ألف قذيفه شهرياً من طراز 155 مم وهو ما أدى إلى تقليص المخزون الأوروبي والأمريكي من هذه الذخيرة، الأمر الذي دفع الرئيس ترامب إلى تقليل تصدير السلاح لأوكرانيا، كما عجز الاتحاد الأوروبي في تحقيق هدفه الذي كان يقوم على إنتاج مليون قذيفه سنوياً وتؤكد كل التقديرات أن الوصول إلى مليون قذيفه من ذخائر 155 مم لن يكون قبل 2030 رغم الاستثمارات الضخمة التي رصدها الاتحاد الأوروبي لهذا الهدف، نفس التحدي تواجهه روسيا المعروف عنها امتلاكها لقاعدة تصنيع عسكري عملاقة منذ أيام الاتحاد السوفييتي، وتعتمد اليوم على دعم عسكري بملايين الأطنان من الذخيرة التي تأتي لها من كوريا الشمالية وهو ما يقول: إن التفكير في توسيع الحروب والدخول في حرب عالمية تستمر 6 سنوات أخرى كما حدث في الحرب العالمية الثانية أمر مستحيل في ظل شح السلاح والذخيرة وسبق للولايات المتحدة أن حاولت الاستفادة من طاقات بعض شركات السلاح الأوروبية خاصة الخماسي البريطاني الألماني الإيطالي البولندي الفرنسي، لكنها اكتشفت وجود مشاكل كبيرة في تلبية طلبيات السلاح من أوروبا، فعلى سبيل المثال تحتاج شركة «نيكستر» الفرنسية نحو عام ونصف لتصنيع 18 مدفعاً من نوع «قيصر» بدلاً من 18 مدفعاً أرستلهم باريس إلي كييف في بداية الحرب الروسية الأوكرانية.

خامساً: الأيادي المتشابكة


التدقيق في المشهد العالمي يؤكد أن الصورة الحقيقة تقول: إن أيادي العالم تتشابك مع بعضها البعض، فرغم الخلافات السياسية والاقتصادية والعسكرية تبقى مصالح العالم متشابكة ومتقاطعة مع بعضها البعض، فليس في صالح الصين أن تدخل في حرب مع الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين والآسيويين نظراً لحجم التجارة البينية بين الصين وحلفاء الولايات المتحدة التي تصل لأكثر من تريليوني دولار سنوياً حيث تصل التبادلات التجارية بين الصين والاتحاد الأوروبي لنحو 900 مليار دولار ونحو 700 مليار دولار مع الولايات المتحدة و320 مليار دولار مع اليابان ونحو 200 مليار دولار مع أستراليا ونيوزيلندا وكوريا الجنوبية واندلاع أي حرب في بحر الصين الجنوبي أو خليج «ملقا» يمكن أن يؤدي لوقف نحو ثلثي التجارة العالمية وهو ما سيكون له تأثير سلبي على كل مواطن على ظهر الأرض وتعلمت الشعوب هذا الدرس خلال جائحة كورونا عندما توقفت مصانع بأكملها في أوروبا .

سادساً: البراجماتية وليس الأيديولوجية


السبب الرئيسي في نشوب الحرب العالمية الثانية كان الخلاف الأيديولوجي وشعور الحزب النازي الألماني بالتفوق العرقي وقامت الحرب الباردة على صراع وتنافس أيدلوجي بين أيديولوجية شيوعية يؤمن بها «حلف وارسو» بقيادة الاتحاد السوفييتي السابق والأيديولوجية الغربية التي تقوم على الفكر الليبرالي والاقتصاد الحر.

سابعاً: الحرب بالوكالة


تحليل المشهد العسكري العالمي يقول: إن العالم غير مستعد وغير قادر على الدخول في حرب عالمية جديدة، لكنه يمكن أن يفرغ ما في جعبته من سلاح في حروب بالوكالة أو في الحروب الثنائية الصغيرة حيث تصب مصانع السلاح الكورية الشمالية ذخيرتها لصالح روسيا في أوكرانيا، بينما تستورد الكثير من دول أوروبا الشرقية السلاح من كوريا الجنوبية، وحتى «فخ ثيوسيديدس» نجح العالم في تجنبه 4 مرات من إجمالي 16 مرة في القرون الخمس الماضية وهو ما يعزز حل الخلافات والصراعات بالطرق السياسية والدبلوماسية وليس بالانزلاق نحو حروب عالمية جديدة قد تُفني البشرية.

[email protected]