كلّ يوم تطالعنا التكنولوجيا بجديد، وكلّ يوم تفاجئنا بما نحتاج إلى وقت كي نتفهّمه، ومعظمه يتعلّق بحياتنا وممارساتنا اليومية، في المأكل والمشرب والملبس، والخروج وقيادة السيارة، والتسوّق.. وهذا كلّه بالتقنيات المتوفرة بكثرة، من هواتف ذكية، وأجهزة لوحية، وحواسيب ثابتة ومحمولة وكثير غيرها.
للقضية صورتان متعاكستان، الأولى مفيدة وسهلة وسريعة لإنجاز أشياء كانت تحتاج إلى وقت طويل، والتخلّص من كميات كبيرة من الورق، وتوفير الوقت... أما الثانية، فعلى العكس، فقد استسهل مستخدموها كلّ شيء، بدءاً من تلميذ المدرسة في مراحل سنواته الأولى فيها، ثم التالية، مروراً بالمعلم وأستاذ الجامعة، والطبيب، والموظف والكاتب والصحفي، وانتهاء بسيدة المنزل، كل هؤلاء لا يكلّفون أنفسهم عناء البحث الفعلي في المراجع الأصلية، عمّا يحتاجون إليه، بل يلجؤون بسهولة متناهية إلى ما تقدمه الشبكات من موادّ قد تشوبها الكثير من الأخطاء، نتيجة عوامل كثيرة، فيلجأ هؤلاء إلى ما يسمّى «القصّ واللصق»، من دون التمحيص والتأكد ممّا ورد في هذه المواقع أو الشبكات، وهي بعشرات الآلاف، وكثير منها ينبّه إلى أنّ ما ورد يحتاج إلى تدقيق، فتخرج إلينا «منتجات» في البحوث أو أوراق العمل، أو الدراسات، أو المقالات، تفتقر إلى الدقة والموضوعية والعلم.
لسنا ضد استخدام التقنية للتسهيل والتسريع في الإنجاز، لكن التعب وبذل الجهد في البحث والتقصّي والتدقيق، مطلوبان، حتى لا يفتقر ما يُقدّم إلى الصدقية.
الأمر الأكثر خطورة أن هذه الشبكات والمواقع، والتقنية قد تؤخّر عملاً ما أو تربك متعاملاً لا يجيد استخدامها، فيتمنّى لو عادت أيام «الموظف المباشر الحيّ»، فوق كرسيّه ينهي المعاملة، حتى لو أخذت وقتاً، فإنّها ستنجز، لأن خبرة الموظف ومهارته وتعوّده ستنجز المهمّة بأفضل صورة.
أحد المراكز التي تستقبل مئات المتعاملين يومياً، يستقبلك فيها موظّف أو موظّفة، يعطيانك بطاقة الانتظار بالرقم، وحين تظهر لك الشاشة الرقم فإنّ موظفاً يستقبلك، ويحيلك إلى «جهاز» لتنجز معاملتك بنفسك بإدخال الهوية فقط.. في الحالة الطبيعية وبوضوح كل الخطوات على شاشة الجهاز، يمكن إنجاز العملية في خمس دقائق، لكن إذا كان المعني ترتبط عمليته بأمور أخرى، فإنّ الأمر قد يأخذ نصف الساعة، والسبب أنّ هذا المركز ليس فيه سوى جهاز واحد فقط، لجميع المتعاملين.
التقنية مهمّة ومطلوبة، كما قلنا، لأنّها سهّلت الأمور وسرّعتها، لكن يجب أن تمارس بحرفية وبعد نظر.
يجب ألّا يشغلنا الهاتف عن المحيطين بنا في المنزل، ولا في السيارة عن مراقبة الطريق، ولا أثناء السير، فنصدم من يقابلنا دون أن نراه..
فلنجعل وسائل التواصل جزءاً من منهج حياتنا، يبهجنا ويثقفنا، ويحثّنا على العطاء.
[email protected]