لم يعد الحديث عن البيئة ترفاً فكرياً أو نقاشاً مؤجلاً، بل بات قضية مصيرية تحدِّد شكل مستقبلنا جميعاً. ففي السنوات العشرين الماضية، شهدت البيئة في العالم العربي تدهوراً ملحوظاً على مختلف المستويات، من تقلّص الغطاء النباتي، وتراجع التنوع البيولوجي، إلى نضوب الموارد المائية وتلوّث الهواء والتربة، ما جعل منطقتنا عرضة إلى المخاطر البيئية المركّبة التي تؤثر بشكل مركزي في كل مقدرات الحياة. وفي قلب هذا التحدي العالمي، يقف الشباب العربي بقدراته ووعيه وطاقته، ليؤكد أنه قوة فاعلة رئيسية في رسم الحلول البيئية وتعزيز الاستدامة.
وفقاً لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، يمثِّل الشباب العربي تحت سن 30 عاماً، اليوم، أكثر من 60% من سكان المنطقة، أي أنه يشكل الكتلة الأكبر ديمغرافياً. هذه النسبة تعني رصيداً هائلاً من الطاقات القادرة على قيادة مسار التحوّل البيئي في منطقتنا. وما يميز هذا الجيل أنه لا يتحرك بدافع القلق وحده، بل بإيمان عميق بأن بإمكانه تغيير المعادلة، وتحويل التحديات إلى فرص، وابتكار نماذج تنموية جديدة تُحقّق النمو الاقتصادي وتحافظ على البيئة والموارد في آن واحد.
من خلال مبادرة «رواد الشباب العربي»، لمسنا نماذج تثبت ذلك: شباب ابتكروا تقنيات للزراعة الذكية تقلل استهلاك المياه بنسبة تصل إلى 30% عبر الحساسات والتطبيقات الذكية، وأطلقوا منصات رقمية تغيّر سلوك الاستهلاك في المدن، حيث تشير دراسات للوكالة الدولية للطاقة إلى أن 40% من استهلاك المياه والطاقة في المنطقة يمكن خفضه عبر تغييرات بسيطة في السلوك. كما حوّل بعضهم النفايات البلاستيكية إلى منتجات قابلة لإعادة الاستخدام، وهو إنجاز حيوي في ظل أن المنطقة تنتج أكثر من 25 مليون طن من النفايات البلاستيكية سنوياً، بناءً على بيانات صادرة عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة.
لقد فتحت هذه التجارب أيضاً أبواباً لفرص عمل جديدة، فتقديرات منظمة العمل الدولية تشير إلى أن الاقتصاد الأخضر يمكن أن يخلق أكثر من 24 مليون وظيفة عالمياً بحلول 2030، وسيكون للشباب العربي النصيب الأكبر من هذه الفرص إذا ما تم الاستثمار في مهاراتهم ومشاريعهم.
هذا الحراك يتكامل مع رؤية دولة الإمارات واستراتيجيتها المناخية، التي تركز في شقها البيئي على زيادة كفاءة الموارد واستحداث الوظائف الخضراء، وهذا كله تجلى بشكل واضح من خلال التزامها بالحياد المناخي بحلول 2050، وصولاً إلى استضافة مؤتمر «كوب 28»، الذي جمع أكثر من 70 ألف مشارك من 198 دولة، وأتاح للشباب العربي أن يكون جزءاً فاعلاً من صياغة أجندة المناخ العالمية.
إن الحاجة اليوم مُلحة إلى توسيع نطاق الدعم والاستثمار في مشاريع الشباب البيئية، لأنها لا تسهم فقط في معالجة تحديات المناخ، بل تضع أسس اقتصادات خضراء جديدة، وتخلق وظائف نوعية، وتبني مجتمعات أكثر مرونة واستقراراً. والأهم من ذلك، أنها تجعل إشراك الشباب في صياغة السياسات البيئية ضرورة استراتيجية لا تحتمل التأجيل، فهم الأكثر قدرة على الابتكار، والأسرع في تحويل الأفكار إلى مشاريع، والمشاريع إلى تأثير ملموس.
لقد أثبتت الأحداث العالمية أن مستقبل الأرض لا يتحدد فقط بالحوارات والنقاشات داخل المؤسسات الرسمية، بل في مختبرات الشباب، في مبادراتهم الميدانية، وفي عزيمتهم على حماية مواردهم. فهم قادة المستقبل، وصنّاع اليوم أيضاً، يقودون المسار نحو مستقبل عربي أكثر توازناً، أكثر عدلاً، وأكثر انسجاماً مع البيئة والإنسان.
الشباب.. رهان رابح على مستقبل الأرض
18 أكتوبر 2025 00:36 صباحًا
|
آخر تحديث:
18 أكتوبر 00:36 2025
شارك