علي قباجة

عادت المجازر إلى قطاع غزة مجدداً، بعدما قررت إسرائيل في لحظة ما أن تنفذها، وكأن دماء أهل القطاع ماء لا قيمة له، إذ أقدم نتنياهو وحكومته على تصعيد كبير وضربات مدمرة، أودت بحياة العشرات معظمهم من الأطفال والنساء، وذلك رداً على ما زعموا أنه بسبب مقتل جندي إسرائيلي، لم تعرف حيثيات مقتله، وتأخر تسليم جثامين الأسرى الإسرائيليين، حيث بات الرفات أغلى من 100 روح.
في لحظة واحدة قررت إسرائيل تنفيذ المجازر، وهدم المنازل فوق رؤوس ساكنيها والبيوت الآيلة للسقوط أصلاً، مقابل حياة جندي وجثامين، في استهانة واضحة بحياة أهل القطاع واستسهال للقتل والإبادة التي دأبت عليها طوال العامين الماضيين.
ومن نافلة القول إن الحجج الإسرائيلية للتصعيد غير مقنعة، فهي معنية باستمرار الاستهدافات تحت أي ذريعة كانت، أو عبر اختلاق أسباب، لتنفيذ عمليات ضد بنك أهداف استطاعت جمعه خلال فترة الهدوء، وهذا يعيد إلى الواجهة ما يحصل في لبنان، حيث تحاول تل أبيب استنساخ ما يحدث على حدودها الشمالية في الجنوب، إذ رغم وقف إطلاق النار في لبنان فإنها تشن غارات متواصلة، ويبدو أن هذا السيناريو سيُنفذ في غزة، حتى إن أدى ذلك إلى سيل من دماء المدنيين، فمن أجل مقتل جندي واحد قد تدمر مربعاً سكنياً يضم المئات.
ما قامت به إسرائيل يُعدّ إهانة بكل المقاييس لحليفها الأمريكي الضامن للاتفاق إلى جانب دول عدة، وعلى الرغم من ترحيب ترامب بالقصف الإسرائيلي، واعتباره رداً على انتهاكات، فإن ما يفعله نتنياهو التفاف على الاتفاق، الذي لم يرغب فيه منذ البداية لأسباب عدة، أبرزها عدم ضياع حلمه بتهجير ساكني القطاع تمهيداً لما يسمى «إسرائيل الكبرى»، وأيضاً فإن الهدوء الحاصل سيفتح المجال أمام محاكمته على تهم فساد، وملفات إخفاقه في السابع من أكتوبر 2023، ما يعني إنهاء مستقبله السياسي، وتطلعاته لأن يُتوّج ملكاً على إسرائيل.
ورغم القتل الممنهج، وسيل التهديدات الأمريكية لحماس، فإن واشنطن راغبة في استمرار الهدنة، فترامب يطمح لأن يكتب في سجله أنه أنهى أطول صراع في المنطقة، كما أنه يرى انقلاب العالم كله على ما فعلته، ولا تزال تفعله، إسرائيل من مجازر، فهو يرغب في أن يحمي تل أبيب من نفسها، كي لا يتعمق النبذ العالمي لها، والغضب المتصاعد من أفعالها.
إسرائيل في ظل حكم أعتى حكومة متطرفة مرّت عليها، لن تتراجع قيد أنملة عن أهدافها، بل إنها تناور في الاتفاقات لكسب مزيد من الوقت، لذا فإنه يقع على عاتق الوسطاء الضغط على أمريكا وإسرائيل لوقف التمادي، وإنقاذ ما تبقى من أهل غزة، الذين تعرضوا، ولا يزالون، لإبادة بأعتى الأسلحة.

[email protected]